اهل الله

منتدي ثقافي تاريخي اقتصادي اسلامي يهتم بقضايا الامة الاسلامية
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الربا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:13 pm

ربا الفضل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر، كأن يبيعه رطل من الدقيق الجيد، برطلين من الدقيق الرديء، أو مائتي غرام ذهب عيار 24 بمائتين وخمسين غراماً عيار 21 ، وهذا لا يكون إلا في بدلين قد اتحدا جنساً، وهذا النوع محرم بلا خلاف، لقول النبي r : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا([1]) بعضها على بعض ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"([2])، ولا عبرة بجيد النوع ورديئة في الربا لعموم قول النبي r في الحديث السابق (ولا تشفوا بعضها على بعض)، ولما جاء في الحديث أن بلالاً رضي الله عنه جاء النبي r بتمر برني([3])، فقال النبي r : "من أين لك هذا؟" فقال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم رسول الله r ، فقال النبي r : "أوه، أوه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل"([4]).
الحكمة من تحريم ربا الفضل .([1]) لا تشفوا: لا تفضلوا، من الشف وهو الزيادة.
([2]) صحيح البخاري، (2/761).
([3]) التمر البرني هو أجود أنواع التمر.
([4]) صحيح البخاري، (2/813).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:15 pm

التحذير من المساهمة في البنوك الربوية والإيداع فيها بفائدة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز، إلى من يراه من إخواننا المسلمين - وفقني الله وإياهم لسلوك صراطه المستقيم، وجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين -.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: [1]
فقد كثرت الدعايات للمساهمة في البنوك الربوية في الصحف المحلية والأجنبية، وإغراء الناس بإيداع أموالهم فيها مقابل فوائد ربوية صريحة معلنة، كما تقوم بعض الصحف بنشر فتاوى لبعض الناس، تجيز التعامل مع البنوك الربوية بفوائد محددة.
وهذا أمر خطير؛ لأن فيه معصية لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمره، والله سبحانه وتعالى يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[2].
ومن المعلوم من الدين بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة: أن الفوائد المعينة التي يأخذها أرباب الأموال مقابل مساهمتهم أو إيداعهم في البنوك الربوية، حرام سحت، وهي من الربا الذي حرمه الله ورسوله، ومن كبائر الذنوب، ومما يمحق البركة ويغضب الرب عز وجل ويسبب عدم قبول العمل.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[3]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[4]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب. يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك))[5] رواه مسلم.
وليعلم كل مسلم أنه مسئول أمام ربه عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيم أبلاه؟ وعن عمره فيم أفناه؟ وعن ماله من أين جمعه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟))[6].
واعلم - يا عبد الله - وفقنا الله وإياك لما فيه رضاه - أن الربا كبيرة من كبائر الذنوب، التي جاء تحريمها مغلظاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[7].
وقال تعالى: وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ[8]. وقال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ[9]. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ[10].
فما أعظم جريمة من حارب الله ورسوله - نسأل الله العافية من ذلك -.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))[11] متفق على صحته.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))[12].
فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة، وأن من تعامل به وتعاطاه فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد أصبح محارباً لله ولرسوله.
فنصيحتي لكل مسلم يريد الله والدر الآخرة: أن يتقي الله سبحانه في نفسه وماله، وأن يكتفي بما أباحه الله ورسوله، وأن يكف عما حرمه الله ورسوله؛ ففيما أباح الله كفاية وغنى عما حرم.
وعلى المسلم الناصح لنفسه، الذي يريد لها الخير، والنجاة من عذاب الله والفوز برضاه ورحمته، أن يبتعد عن الاشتراك في البنوك الربوية، أو الإيداع فيها بفوائد، أو الاقتراض منها بفوائد، لأن المساهمة فيها أو الإيداع فيها بفوائد، أو الاقتراض منها بفوائد، كل ذلك من المعاملات الربوية، ومن التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله عنه بقوله سبحانه: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[13].
فاتق الله - يا عبد الله - وانج بنفسك، ولا تغتر بكثرة البنوك الربوية، ولا بكثرة انتشار معاملاتها في كل مكان، ولا بكثرة المتعاملين معها؛ فإن ذلك ليس دليلاً على إباحتها، وإنما هو دليل على كثرة الإعراض عن أمر الله، ومخالفة شرعه، والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ[14].
ومع الأسف الشديد، أن كثيراً من الناس لما أنعم الله عليهم، ووسع عليهم من فضله، وأغناهم بكثرة المال، أصبحوا لا يهتمون بالعمل بأحكام الإسلام، والاستغناء بما أباح الله لهم عما حرم عليهم، وإنما يهتمون بما يدر عليهم المال من أي طريق كان؛ حلالاً كان أم حراماً؛ وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، وقلة خوفهم من ربهم عز وجل وغلبة حب الدنيا على قلوبهم، نسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية من كل ما يخالف شرعه المطهر.
وهذا الواقع المؤلم لحال كثير من المسلمين، مؤذن بحلول غضب الله ونقمته، وقد قال سبحانه محذراً ومنذراً من شؤم المعاصي والذنوب: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[15].
وإني أوجه نصيحتي إلى المسئولين في الصحف المحلية خاصة، وفي صحف البلاد الإسلامية عامة: أن يطهروا صحافتهم من نشر كل ما يخالف شرع الله المطهر في أي مجال من مجالات الحياة، كما أوصي الجهات المسئولة بالتأكيد على رؤساء الصحف، بألا ينشروا شيئاً فيه مخالفة لدين الله وشرعه، ولاشك أن هذا أمر واجب عليهم، وسيسألون عنه أمام الله إذا قصروا فيه.
كما أوصي إخواني المسلمين عامة: أن يتقوا الله تبارك وتعالى ويتمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكتفوا بما أحله الله، ويحذروا ما حرمه الله، ولا يغتروا بما قد يكتب أو ينشر من فتاوى أومقالات تجيز المساهمة في البنوك الربوية أو الإيداع فيها بفوائد، أو تقلل من سوء عاقبة ذلك؛ لأن هذه الفتاوى والمقالات لم تبن على أدلة شرعية؛ لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما هي آراء الرجال وتأولاتهم.
نسأل الله لنا ولهم الهداية والعافية من مضلات الفتن، والله المسئول أن يوفق المسلمين عامة، وولاة أمورهم خاصة للعمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وتحكيم شرع الله في جميع شئونهم الخاصة والعامة، وأن يأخذ بنواصيهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يجنب الجميع طريق المغضوب عليهم والضالين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] عبدالعزيز بن باز عندما كان رئيساً عاماً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ونشرت في (مجلة التوعية الإسلامية في الحج)، العدد: 6، عام 1402هـ، وفي العدد: 2، بتاريخ 13/11/1406هـ، وطبعت في مطوية مستقلة عام 1416هـ. وفي (مجلة الجامعة الإسلامية)، وفي مجلة (الدعوة)، العدد: 824، في 18/2/1402هـ.
[2] سورة النور، الآية 63.
[3] سورة المؤمنون، الآية 51.
[4] سورة البقرة، الآية 172.
[5] رواه مسلم في (الزكاة)، باب (قبول الصدقة من الكسب الطيب)، برقم: 1015.
[6] رواه الترمذي في (صفة القيامة والرقائق والورع)، باب (ما جاء في شأن الحساب والقصاص)، برقم: 2417.
[7] سورة آل عمران، الآية 130.
[8] سورة الروم، الآية 39.
[9] سورة البقرة، الآيتان 275، 276.
[10] سورة البقرة، الآيتان 278، 279.
[11] رواه البخاري في (الوصايا)، باب (قول الله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)، برقم: 2767، وفي (الحدود)، باب (رمي المحصنات)، برقم: 6875، ومسلم في (الإيمان)، باب (بيان الكبائر وأكبرها)، برقم: 89.
[12] رواه مسلم في (المساقاة)، باب (لعن آكل الربا وموكله)، برقم: 1598.
[13] سورة المائدة، الآية 2.
[14] سورة الأنعام، الآية 116.
[15] سورة الأنفال، الآية 25.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:16 pm

وجوب إنكار المعاملات الربوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:[1]
فمن الظواهر السيئة التي برزت في صحفنا: الدعوة إلى الربا، ومن ذلك ما نشر بجريدة (الجزيرة)، عدد: 2263، وتاريخ 11 شوال عام 1398 هـ تحت عنوان: (خططنا للضمان الممتاز)، وكذلك ما جاء من الدعوة إلى الربا في الصحف والمجلات المحلية.
وهذه المعاملات من الربا المحرم بالكتاب والسنة والإجماع، وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن أكل الربا من كبائر الذنوب، ومن الجرائم المتوعد عليها بالنار واللعنة.
قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ[2]. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ[3].
ففي هذه الآيات الدلالة الصريحة على غلظ تحريم الربا، وأنه من الكبائر الموجبة للنار، كما أن فيها الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى يمحق كسب المرابي، ويربي الصدقات؛ أي يُربيها لأهلها وينميها؛ حتى يكون القليل كثيراً إذا كان من كسب طيب.
وفي الآية الأخيرة التصريح بأن المرابي محارب لله ورسوله، وأن الواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه وأخذ رأس ماله من غير زيادة.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: ((لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))[4].
وهذه المسألة التي كثرت الدعاية لها في الصحف والمجلات، من المسائل التي بحثها مجلس (هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية)، وهذا مضمون ما قرره: "وضع الأموال في البنوك لأخذ فائدة ربوية بنسبة معينة، يحصل عليها صاحب المال من البنك ونحوه، ويدفعها له إما بعد مضي الأجل الذي يتفق عليه، وأما عند سحب المال، فيدفع له ما اتفق عليه من الربا - الذي سمي ربحاً أو فائدة - وهذا ربا صريح حرمه الله ورسوله، وأجمع سلف الأمة الإسلامية على تحريمه، وتسميته وديعة أو باسم غير ذلك لا يغير من حكم الربا المحرم فيه شيئاً؛ فقد جمع ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنه بيع نقود بنقود نسيئة بزيادة ربح ربوي إلى أجل". انتهى.
والواجب على ولاة الأمور وعلى علماء الإسلام في كل مكان، إنكار مثل هذه المعاملات الربوية والتحذير منها، كما أن الواجب على وزارة الإعلام منع نشر هذه المعاملات الربوية والدعاية إليها في جميع وسائل الإعلام؛ عملاً بقول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[5]، وقوله سبحانه: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[6]، وقوله عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ[7]، وقوله سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[8].
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
عبدالعزيز بن باز
[1] رد من سماجته على ما كتب في جريدة (الجزيرة)، بعددها: 2263، وتاريخ 11/10/1398هـ، ونشر في (مجلة الجامعة الإسلامية).
[2] سورة البقرة، الآيتان: 275، 276.
[3] سورة البقرة، الآيتان 278، 279.
[4] رواه مسلم في (المساقاة)، باب (لعن آكل الربا وموكله)، برقم: 1598.
[5] سورة المائدة، الآية 2.
[6] سورة آل عمران، الآية 104.
[7] سورة المائدة، الآيتان 78، 79.
[8] سورة العصر، كاملة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:20 pm

أثر الربا في القروض الإنتاجية في الاقتصاد الإسلامي
يهدف هذا البحث إلى مناقشة وبيان أدلة من زعم إباحة الربا في القروض الإنتاجية، وذكر الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية والشواهد التاريخية، وأقوال العلماء على بطلان هذه الدعوى. إذ إن الربا حرام بجميع صوره وأشكاله مهما كان الدافع إليه أو سببه سواء أكان الإنتاج أم الاستهلاك. ثم إن القروض الإنتاجية لا يصح تخريج إباحتها على أساس الضرورة أو تقديم المصلحة العامة على الخاصة، أو اعتبار القروض التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي هي قروض استهلاكية، أو اعتبار الاستغلال علة لتحريم الربا.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
على الرغم من التحريم القطعي للربا في الإسلام، إلا أنه جاء بعض الباحثين ببعض التأويلات، والصور المقنّعة، والحيل الملفقة، من أجل إباحة صور عدة من الربا المحرم. فنجد بعض أولئك يحصرون الربا المحرّم في ربا الدين، الذي تكون الزيادة فيه إنما تطرأ عند حلول الأجل، ويرى بعضهم أن الربا المحرم بحديث الأصناف الستة إنما هو ربا البيع، أما القرض فلا يجري فيه الربا.
ثم إن فريقاً من أولئك الباحثين حاولوا تسويغ إباحة الربا على أساس التفرقة بين الربا في القروض الإنتاجية والاستهلاكية، بدعاوى مختلفة، وشبهات متفرقة، منها دعوى الضرورة، والمصلحة، والتطور الحضاري وما يلزم منه تغير الأحكام، والنظر إلى الحكمة من تحريم الربا وجعلها علةله... إلخ والدعاوى في هذا كثيرة. قد تعرض لها كثير من الباحثين، لذلك سوف أقصر هذا البحث على دعوى جواز الربا في القروض الإنتاجية دون الاستهلاكية. مبيناً أساس هذه الدعوى، وأدلتها، ومناقشتها. في المباحث الآتية:
المبحث الأول: أساس الدعوى.
المبحث الثاني: صفة القروض في المجتمع الإسلامي.
المبحث الثالث: القروض الإنتاجية وتطور الأحكام الشرعية.
المبحث الرابع: القروض الإنتاجية والضرورة.
المبحث الخامس: القروض الإنتاجية والتعليل بالحكمة.
المبحث الأول
أساس الدعوى
تقوم هذه الدعوى على أساس التفرقة بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية، حيث تبيح الربا في القرض الإنتاجي أو الاستثماري دون القرض الاستهلاكي. فتنظر إلى سبب القرض وغايته، فإذا كان صاحب القرض الذي يأخذه من أجل الإنتاج والاستثمار فيجوز له ذلك، وأما إذا كان صاحب القرض يأخذه من أجل الاستهلاك، وسد حاجاته الاستهلاكية، كالغذاء، والدواء، السكن واللباس... فلا يجوز له أخذ هذا القرض بفائدة أو بربا.
إن القروض الإنتاجية أو الاستثمارية التي تمنح من أجل القيام بمشروعات إنتاجية صناعية أو زراعية أو تجارية، تعود على المجتمع بالخير، وتدفع به للتقدم في المجالات المختلفة للتنمية، لذا يجوز أخذ الربا مقابل هذه القروض عند أولئك الباحثين.
ويبدو أن أول من نادى بهذه الدعوى من الكتاب الغربيين هو سان توماس الأكويني (1225م- 1274م) الذي دعا إلى الملكية الفردية، وحارب الربا، وعاداه، إلا أنه يرى أن الإقراض بفائدة يجوز إذا كان لأغراض تجارية [1]. ثم جاء من بعده من الباحثين المسلمين الذين حاولوا تصحيح المعاملات المالية المعاصرة على أساس فقهي، يستند إلى أدلة شرعية وعقلية، وإن كانت هذه الأدلة التي زعموها لا تقوم على نظر عقلي صحيح أو دليل شرعي صريح، كما سنرى فيما بعد.
ومن هؤلاء الباحثين الذين زعموا بتلك الدعوى الدكتور محمد معروف الدواليبي الذي قال في بُداءة محاضراته التي ألقاها في باريس عن نظرية الربا في التشريع الإسلامي حيث قال: (إذا كانت الشرائع الحديثة قد اشترطت لقيام الربا استيفاء فائدة أكثر من الفائدة التي حددها القانون لرؤوس الأموال المقترضة، فإن المشرع الإسلامي قد اعتبر كل فائدة يرجى بها رأس المال مهما قلّ شأنها تكفي لتكوين الربا الذي حرّمه الله عز وجل... ثم جعل خصائص الربا المحرم أموراً ثلاثة، هي:
أن هذه القروض التي كانت تقدم بشرط الفائدة، لم تكن سوى شكل من أشكال استغلال عوز المحتاجين الذين هم أولى بالعطف والرعاية، وأنه لم يكن لهذه القروض صفة القرض المنتج، وأنها لم تكن تصلح إلا للاستهلاك. وإن الوضع الاقتصادي قد تغير اليوم، وانتشرت الشركات، وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا قروض استهلاك، فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور الأحكام، فيجب إذاً أن يكون لقروض الإنتاج حكمها في الفقه الإسلامي، ويجب أن يتمشى هذا الحكم مع طبيعة هذه القروض، وهي طبيعة تغاير مغايرة تامة طبيعة قروض الاستهلاك، ولا يعد الحال أحد الأمرين: إما أن تقوم الدولة بالإقراض للمنتجين، وإما أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة. والحل الثاني هو الحل الصحيح، ويمكن تخريج ذلك على فكرة الضرورة، وعلى فكرة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، كما لو تذرع العدو بمسلم فلا مناص من قتل المسلم حتى يمكن الوصول إلى العدو) [2].
يلاحظ من النص السابق أن هذه الدعوى تقوم على الأمور الآتية:
1- إن القروض التي كانت في المجتمع الإسلامي هي قروض استهلاكية ليس لها أي صفة إنتاجية أو تجارية.
2- إن إباحة الربا في القروض الإنتاجية هو أمر يقتضيه التطور الحضاري، لذلك ينبغي أن تتطور الأحكام الشرعية تبعاً للتطور الحضاري.
3- إن إباحة الربا في القروض الإنتاجية يمكن تخريجه على أساس فكرتي الضرورة وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وإن هذه الأفكار لم يتبنها هذا الباحث فحسب، بل نادى بها آخرون من بعده، لكن القاسم المشترك بينهم هو هذه الأمور إلي ذكرناها، وأمور أخرى سنشير إليها في موضعها.
هذا وسنناقش هذه الأفكار من خلال الفقرات الآتية.
المبحث الثاني
صفة القروض في المجتمع الإسلامي
يزعم أصحاب هذه الدعوى أن القروض التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي إنما هي قروض استهلاكية، ليس لها أي صفة إنتاجية أو استثمارية أو تجارية. لذلك فإن ربا الجاهلية لم يكن إلا على القروض الاستهلاكية. سنناقش هذا الزعم من خلال ذكر الأدلة الشرعية والنصوص التاريخية التي تفند هذا الزعم. وذلك من خلال النقاط الآتية:
أولاً: إن آيات الربا في مراحله المختلفة ترد هذه الشبهة، ففي المرحلة الأولى من مراحل تحريم الربا، وهي قوله تعالى: { وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39]. وقد أجرى الله تعالى في هذه الآية الموازنة بين الربا والزكاة من حيث النفع المادي والمعنوي.
والمرحلة الثانية، هي قولـه تعالى: { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } [النساء:160-161]. فذكر الله عز وجل في هذه الآيات قصة اليهود الذين أخذوا الربا وقد حُرّم عليهم.
والمرحلة الثالثة، هي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [آل عمران:130]، فقد بيّن الله عز وجل في هذه الآية أن المحرم من الربا هو الربا الفاحش، وهو المذموم، باعتبار حالة المجتمع التي كان يسود فيه الربا [3].
والمرحلة الرابعة، هي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة:278-279] وكذلك قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [البقرة:275] فهذه الآيات حرّمت الربا دون تفرقة بين قليل وكثير.
يلاحظ من الآيات السابقة وأسباب نزولها أنها لم تفرق في حرمة الربا بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية، بل حرمت جميع أنواع الربا مهما كان سببه أو الغاية منه. وقد اتفق المفسرون والعلماء على أن الآية الأخيرة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا...} قد نزلت في تحريم ربا الجاهلية. الذي لم يفرق بين الإنتاج والاستهلاك [4].
ثم إن الأحاديث النبوية التي وردت في ربا البيوع لتدل دلالة واضحة على أن العرب كانوا يتاجرون، فيبيعون ويشترون بالذهب والفضة والقمح والشعير والملح والتمر، منها قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد“ [5]فهذا الحديث يدل صراحة على المبادلات التجارية، عن طريق بيعها وشرائها، وإن هذه المبادلات لم تكن للاستهلاك فقط؛ لأن التاجر الذي يبيع السلع يحتاج إلى المال لشرائها، فقد يكون لديه المال ولا يكفيه، وقد لا يكون لديه مال أصلاً، فيحتاج حينئذ للاستقراض. لذلك فإن هذا التجار يقوم بالإنتاج التجاري، واستثمار أمواله في التجارة، ولم يرد دليل على أن هؤلاء التجار كانوا يأخذون الأموال من الناس قرضاً ويدفعون لهم زيادة. بل هناك أدلة تؤكد أن هؤلاء التجار كانوا يأخذون الأموال لأغراض إنتاجية، ولا يدفعون زيادة عما أخذوا. وسنذكر هذه الأدلة بعد قليل.
ثم إنه كيف يصح القول بأنه لم تكن القروض الإنتاجية معروفة عند العرب؟! ألم يذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أن لقريش رحلات تجارية في الصيف والشتاء بين الشام و.
قال تعالى: { لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ } [قريش:1-2].
ثانياً: - هناك نصوص وأمثلة من التاريخ الإسلامي تؤكد أن العرب كانوا يستقرضون لأغراض إنتاجية لا لأغراض استهلاكية. فهذه أدلة على أن التجار كانوا يستقرضون من أجل القيام بالعملية الإنتاجية.
من هذه الشواهد ما ذكره الطبري أن هنداً بنت عتبة جاءت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستقرضت منه من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها. وتضمنها، فأقرضها، فخرجت إلى بلاد كلب، فاشترت وباعت، فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة – الخسارة – فقال لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو كان مالي لتركته لك، ولكن مال المسلمين) [6].
ومنها أيضاً ما رواه الإمام مالك من قصة عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
( أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى ، فلما قفلا مرّا على أمير البصرة، فرحب بهما، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعاً من متاع ، ثم تبيعاه في المدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما. فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما. أديا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال، أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير وهناك المؤمنين لو جعلته قراضاً، فقال عمر قد جعلت قراضاً، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال) [7].
شواهد تاريخية أيضاً تؤكد أن الناس كانوا يستقرضون للإنفاق على الأهل والعيال، أي قروض استهلاكية، ويستقرضون للإنفاق على الإنتاج
الزراعي، فقد كانت الدولة الإسلامية في عهد عمر بن عبد العزيز تمنح قروضاً إنتاجية من بيت المال للمسلمين ولأهل الذمة، فقد ذكر أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز قال: (انظر من كانت عليه جزية، فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه) [8].
يلاحظ من الشواهد السابقة – غيرها كثير – أن القروض الإنتاجية سواء أكانت تجارية أم زراعية كانت موجودة عند العرب في الجاهلية والإسلام. ولو كانت الفائدة على قروض الإنتاج التجاري جائزة لأخذها أبو موسى الأشعري من ابني عمر بن الخطاب حينما أقرضها المال. وكذلك لو كانت الفائدة على القروض الاستثمارية جائزة لأخذها سيدنا عمر بن الخطاب من هند بنت عتبة التي استقرضت المال من بيت مال المسلمين فخسرت به. ولو كانت الفائدة على قروض الإنتاج الزراعي جائزة لأخذها سيدنا عمر بن عبد العزيز من المسلمين أو من أهل الذمة حينما أقرضهم المال ليقوموا بالزراعة.
ولو كانت الفائدة على القروض الإنتاجية أو الاستثمارية جائزة لكانت أموال اليتامى أحق بها لما في ذلك من حفظ الأموال وتنميتها، مع العلم أن المشرع قد أكّد على تنمية هذه الأموال، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”من ولي يتيماً لـه مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة“ [9]. ولم يذكر في التاريخ الإسلامي أن مال يتيم واحد قد أقرض بفائدة على الرغم من الحاجة الداعية لذلك من أجل حفظ أموال اليتامى وتنميتها. ولو كانت قروض الإنتاج بفائدة جائزة لنص على ذلك عالم، ولكن العلماء منذ عهده r إلى يومنا هذا لم يفرقوا بين قرض إنتاجي واستهلاكي في حرمة الربا، وأن هؤلاء العلماء قد أجمعوا على أن كل قرض جرّ نفعاً مشروطاً فهو ربا [10]. كما أن هؤلاء العلماء لم يجيزوا لرب المال في المضاربة أن يحصل على مبلغ مقطوع، ونصوا على أن رب المال قو قدم ماله لعامل على أن الربح كله لـه، أي: للعامل، لكان قرضاً لا قراضاً، وهذا دليل على أن القرض ولو قدّم للتجارة لا تكون الفائدة عليه مباحة [11].
المبحث الثالث القروض الإنتاجية وتطور الأحكام الشرعية
يزعم هؤلاء الباحثون أن الأوضاع الاقتصادية في العالم المعاصر متغيرة، فقد انتشرت الشركات والبنوك والمؤسسات المالية المختلفة، لذلك أصبحت القروض الإنتاجية تشكل الدعامة الأساسية لهذه المؤسسات، ومن ثم فإنه يجب النظر فيما يقتضيه هذا الانتشار وهذا التطور من تطور الأحكام الشرعية، لأن هذه الأحكام – بزعمهم – يجب أن تتمشى مع هذا الواقع، وتتغير بتغيره.
إن قول أولئك الباحثين بإباحة الربا في القروض الإنتاجية هو أمر يقتضيه التطور الحضاري والتقدم التقني، لذلك ينبغي أن تتطور الأحكام الشرعية: أحكام تستند إلى أدلة شرعية ثابتة لا تقبل التبديل أو التغيير مهما تغيرت ظروف الزمان والمكان. وأحكام أخرى اجتهادية تستند إلى العرف والمصلحة. فالأحكام الأولى لا تتطور ولا تتبدل، ولو كانت المصلحة ظاهرة في العمل بخلاف تلك الأحكام؛ لأن تقدير الصلاح والفساد في الأشياء هو للمشرع الحكيم. وليس لأهواء الناس ورغباتهم. والمشرع الحكيم قد ألغى كل المصالح التي تصادم النصوص الشرعية. هذا ويسمي الأصوليون هذه المصالح بالمصلحة الملغاة [12]. وهناك أمثلة كثيرة لهذا النوع من المصالح الملغاة، مثل: التعامل بأوراق اليانصيب، وتجارة الخمور والمخدرات... والربا، فيرى هؤلاء الباحثون جواز التعامل بما ذكر على أساس أنها مصلحة معتبرة؛ لأنها تحقق مصالح اقتصادية واجتماعية. وهذا الفهم عجيب ممن لديه أقل نصيب من الفكر أو أثارة من علم الفقه وأصوله، إذ إن تلك المصالح موهومة، ولا عبرة فيها ما دامت تصادم النصوص الشرعية، ومقاصد الشريعة، فهذه النصوص كما ذكرنا حرمت الربا مطلقاً مهما كانت المصلحة المرجوة من التعامل به. وينبغي التنبيه على أن مفاسد الربا أعظم من المصالح المترتبة على التعامل به بشهادة أهل الاختصاص، إذ إن الربا يؤثر في الاستثمار والادخار سلباً كما أوضح ويكسل وكينز [13]، وذكر كينز أيضاً أن الربا سبب رئيس للبطالة، وأن تخفيض سعره – أي سعر الفائدة وينادي إلى جعلها صفراً – سيؤدي إلى التشغيل الكامل. فقال: (من مصلحتنا أن مخفض سعر الربا إلى درجة نتمكن من تشغيل الناس جميعاً) [14]. وأوضح علماء آخرون منهم (فيشل) و(فبلن) أن الربا يساهم في خلق المشكلات الاقتصادية المختلفة [15].
وفي مساوئ الربا وأضراره رد قاطع على ما زعموه من أن إباحته فيها مصالح اقتصادية، إذ على الرغم من المصالح الاقتصادية التي يحققها الربا، إلا أن لـه أضراراً أكبر بكثير من منافعه، لذلك لا يمكن القول باحتمال إباحته استناداً إلى تلك الحجة فضلاً عن أقوالهم بضرورة القول بإباحته. ولما كانت هذه المفاسد أعظم من تلك المصالح لذلك فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما يقول العلماء.
أما النوع الثاني من الأحكام فهي الاجتهادية التي تستند إلى العرف والمصلحة فهذه يمكن أن تتغير وتتبدل بتبدل العرف والمصلحة، لأن هذه الأحكام اجتهادية في أصلها، فيراعى فيها التأقيت أو عرف الناس الذي لا يخالف الشريعة ومقاصدها [16]. وقد ضبط بعض العلماء الأحكام التي يمكن أن تتبدل بما سماه بـ(الأحكام الاجتهادية من قياسية أو مصلحية) [17].
ثم إن هذه المصالح الاجتهادية لا تقدم على النص أو الإجماع سواء أكانت في باب المعاملات أم في غيرها، ولا يترك النص لمصلحة قط سواء أكانت هذه المصلحة ثابتة أم متغيرة؛ لأن للمصلحة ضوابط وقيوداً، منها ألا تخالف مقصود المشرع، ومقصوده يعرف من الكتاب والسنة والإجماع، فإذا خالفت المصلحة النص، فهي مصلحة ملغاة كما مر، ولا ينظر إليها [18].
قال الغزالي: (كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشارع فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع) [19].
وهذه الأحكام الاجتهادية التي يمكن أن تتغير هي المقصودة بكلام العلماء (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) لذلك لا يصح إطلاقاً بأن الأحكام – من دون التقييد بما ذكرنا – تتبدل بتبدل المصالح والأزمان.
المبحث الرابع
القروض الإنتاجية والضرورة
لقد استند المبيحون للربا في القروض الإنتاجية إلى أساس مبدأ الضرورة، إذ يرون أن التعامل بالربا أصبح ضرورة اقتصادية، لا يسع المجتمعات تركه. وهذا الرأي باطل؛ لأن للضرورة مفهوماً شرعياً محدداً، وأن هذه الدعوى لا تدخل ضمن هذا المفهوم.
فقد عرّف الشاطبي الضرورة بقوله: (ما لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقِدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين) [20].
وعرّف الضرورة أيضاً الزركشي بقوله: (فالضرورة بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب (الهلاك) كالمضطر للأكل، واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم) [21].
وعرّفها أيضاً الجصاص بقوله: (خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل) [22].
ويبدو أن التعريفات السابقة للضرورة بينت معناها في ما يتعلق بالغذاء واللباس... لذلك يمكن تعريفها بأعم مما سبق: ((الضرورة: هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذ: ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع)) [23] ويفهم من التعريف السابق أنه لابد من تحقق ضوابط أو شروط الضرورة حتى يصح الأخذ بحكمها، ومن أهم هذه الضوابط ما يأتي[24]:
1 - أن تكون الضرورة حقيقية لا متوهمة، وقائمة لا منتظرة، بمعنى أنه يغلب على الظن حصول الهلاك أو التلف على النفس أو المال. أو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال، فيجوز حينئذ (الأخذ بالأحكام) الاستثنائية لدفع هذا الخطر.
2 - أن لا يمكن تلبيتها إلا بإباحة المحرم، أي أن تتمحض إباحة المحرم طريقاً لتلبيتها. وعليه فإن من يستطيع في الأحوال العادية أن يستثمر أمواله في المشروعات الإنتاجية المباحة المختلفة، فإنه لا يجوز لـه استثمارها في البنوك الربوية. وكذا من استطاع أن يقترض من غيره من دون فائدة سواء أكان ذلك بغرض الاستهلاك أم الإنتاج، فلا يجوز لـه الاقتراض بفائدة مهما كان السبب.
3 - أن لا يكون المحرم الذي يترتب على تلبيتها أشد ضرراً من فواتها، وذلك على وفق القاعدة الفقهية (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) [25]، وقاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) [26].
4 - أن لا يزاد في الضرورة عند إباحة المحرم على قدرها، للقاعدة الفقهية: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) [27].
وتطبيقاً لمفهوم الضرورة الذي ذكرناه، وللضوابط والشروط التي أوردناها يظهر أن الربا في القروض الإنتاجية لا يصدق عليها وصف الضرورة ولا شروطها، لأن القروض الإنتاجية غرضها تكثير المال، من خلال استثماره، ومن المعلوم أن المحرم لا يباح لأي مصلحة كانت، وإنما يباح للمصلحة الضرورية والحاجية بشروطها فقط. ومن ثم فإن حفظ أصل المال من الضياع والهلاك هو مصلحة ضرورية أو حاجية.
(( أما استثمار المال فهو مصلحة تحسينية ندب إليها الشارع دون إيجاب، بدلالة أن أحداً من الفقهاء لم يقل بوجوب التجارة مشاركة أو غيرها، ولم يقل أحدٌ بإثم من ترك التجارة لأي سبب، إلا أن تكون التجارة طريقاً وحيداً للإنفاق على العيال فإنها في هذه الحال تجب لغيرها وليست لذاتها... ثم إن الفقهاء لم يقولوا بوجوب الاتجار في مال القاصر، لا على وليه ولا على وصيه ولا على القاضي عند غيابهما، ولكن ندبوا إلى ذلك ندباً أخذاً من قول النبي r: ”ألا من ولي يتيماً لـه مال فليتجر به ولا يتركه حتى تأكله الصدقة“ [28]... ولو كانت التجارة واستثمار المال واجبين لذاتهما في أي الأحوال لأوجبهما الشارع في هذه الحال، ثم إن في استثمار المال تعريضاً لـه للضياع فكيف يكون واجباً مع ذلك؟ فإذا كان الاتجار بالمال في الأصل ليس أكثر من مصلحة تحسينية لِمَأ تقدم، فلا يكون الاتجار ببعضه أكثر من ذلك من باب أولى)) [29].
ولَمّا كانت مصلحة استثمار المال هي مصلحة تحسينية وليست بضرورية ولا حاجية، لذلك لا يجوز أخذ القروض بفائدة بحجة استثمارها في مشروعات إنتاجية.
ومن خلال مفهوم الضرورة وشروطها يتبين أيضاً أن الضرورة غير قائمة لا في حق المقرض ولا المقترض من أجل استثمار المال في المشروعات الإنتاجية، لأن المقرض ما دام يملك مالاً زائداً عن حاجته فيقرضه لغيره، فإن هذا يعني أنه ليس مضطراً، لذلك لا يصدق عليه وصف الضرورة.
وكذلك الحال بالنسبة للمقترض؛ لأنه اقترض لينتج ويستكثر من المال، ولم يقترض من أجل دفع الهلاك أو المشقة عن نفسه. مع ملاحظة أن معظم المقترضين اليوم هم من الحكومات وكبرى الشركات والتجار الأغنياء الذين يستقرضون من أجل زيادة أموالهم.
وقد وضح الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى أن الضرورة قيامها في نظام ربوي، بل يمكن أن تكون في أعمال فردية. إذ إن معناها أن النظام كله يحتاج إلى الربا، كحاجة الجائع الذي يكون في مخمصة إلى أكل الميتة ولحم الخنزير، ومثل هذا لا يتصور في نظام. ولو فرضنا أن هناك حالات تستدعي الاقتراض بفائدة فستكون حالات فردية، وليست جماعية، فضلاً عن أن تكون نظاماً اقتصادياً [30] والخلاصة: أن شروط الضرورة ومفهومها لم تتحقق في هذه الدعوى، إذ إن الضرورة في إباحة القروض بفوائد من أجل الإنتاج، إنما هو ضرورة متوهمة ومنتظرة وليست حقيقية، لأننا إذا تركنا هذا النوع من المعاملة فهل يصل بنا هذا إلى حد الهلاك أو تلف الأموال وضياعها؟ ! طبعاً لا.
لذلك يمكن تلبية هذه المعاملة من القروض الحسنة، أو تركها أصلاً، إذ لا يترتب على تركها فقدان الحياة ولا فوات النعيم، بل العكس هو الصحيح بشهادة أهل الاختصاص والخبرة الذين أكدوا أن ترك الربا و الابتعاد عنه هو الأفضل للمجتمعات لِمَا في الربا من مفاسد اقتصادية واجتماعية وسياسية كما ذكرنا سابقاً، وأن هذه المفاسد حقيقية وليست متوهمة بينما المصالح التي يجلبها الربا غير حقيقية لذلك ينبغي درء تلك المفاسد.
المبحث الخامس :القروض الإنتاجية والتعليل بالحكمة
من الطرق التي سلكها بعض الباحثين في إباحة الربا في القروض الإنتاجية هي التعليل بالحكمة، حيث جعل هؤلاء علة الربا هي الاستغلال أوالظلم، لذلك قالوا بإباحة الربا في الإنتاج لعدم تحقق وصف الظلم فيه، وعدم جواز الربا في الاستهلاك لوجود وصف الظلم أو الاستغلال الذي هو علة الربا. قال محمد الحبش متبنياً ومدافعاً عن هذا الرأي ومستدلاً لـه: ((وظاهر أن أجلى مظهر من مظاهر الربا إنما هو الاستغلال، وهو وصف منضبط عند أهل العقول يصلح معياراً حقيقي اًلتمييز الربا الحرام من التجارة المباحة المأذون بها شرعاً، واضح من كل ما قدمناه من أمر الربا أن المقترض هنا هو الضعيف المضطر والمقرض هو القادر المستغل، ومن وجهة نظري الخاصة فهذا يختلف اختلافاً جذرياً عما هو سائد في الأوساط من اعتبار سائر المعاملات المصرفية عقوداً ربوية، على الرغم من عدم وجود عنصر الاستغلال فيها. إن التأكيد على كون الاستغلال هو العلة الحقيقية التي تنقل الربا من كونه نشاطاً تجارياً إلى كونه جريمة اجتماعية))[31].
يبدو واضحاً من النص السابق أن أصحاب هذا الرأي يجعلون العلة في تحريم الربا هي الاستغلال لذلك يفرقون بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية من حيث الحرمة، فالربا في القرض الإنتاجي يجوز مادامت العلة هي الاستغلال؛ لأنه في القروض الإنتاجية لا يوجد استغلال. أما الربا في القرض الاستهلاكي لا يجوز لأن علة الربا الاستغلال، وهي موجودة.
ويمكن مناقشة هذا الرأي وبيان بطلانه من خلال بيان مفهوم العلة والحكمة والفرق بينهما، وشروط التعليل بالحكمة، وأقوال الأصوليين فيهما.
أولاً: - مفهوم العلة:تطلق العلة عادة على معنيين:
الأول – الحكمة التي تبعث على تشريع الحكم من أجل تحصيل مصلحة يراد تحققها، أو دفع مفسدة يراد تجنبها، مثلاً: تحريم الزنا ووجوب الحد على فاعله من أجل حفظ الأنساب، وكذلك تحريم الخمر ووجوب الحد على شاربه من أجل حفظ العقول. فالحكمة من تحريم الزنا هي حفظ النسب، والحكمة من تحريم الخمر هي حفظ العقل، أما العلة فيالزنا فهي فعل الزنا، وفي الخمر الإسكار.
الثاني: الوصف الظاهر المنضبط الذي يناسب الحكم بتحقيق مصلحة الناس، إما بجلب مصلحة لهم أو دفع الشر عنهم [32].
ثانياً – الحكمة:هي الباعث على التشريع الحكم، والغاية المقصودة منه،وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تركها [33].
يلاحظ من بيان مفهومي العلة والحكم أن العلة أعم من الحكمة، لأن العلة تشمل الوصف الظاهر المنضبط الذي يعرف الحكم به، ويوجد بوجوده،ويرتفع بارتفاعه، وهذا معنى قول الأصوليين: إن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً [34]. وتأتي عمومية العلة من كونها تشمل على الحكمة غالباً، أي أن العلة مظنة لتضمن الحكمة.
ثالثاً – آراء الأصوليين في التعليل بالحكمة:
ذكر الآمدي ثلاثة مذاهب فقال: ((ذهب الأكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط، وجوّزه الأقلون، ومنهم من فصل بين العلة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة،فجوز التعليل بالأولى دون الثانية، وهذا هو المختار.
أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة فلأنا أجمعنا على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم،بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية. فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها.
أما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة أوجه:
الأول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها، والوقوف عليه إلا بعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه، إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعاً للعسر عن الناس، والتخبط في الأحكام. ولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر دفعاً للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها – أي العلة – بالمشقة نفسها، لما كانت مما يضطرب ويختلف. ولهذا فإنه لم يرخص الحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب.
الثاني: أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع التصرف الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه، ونحوه، ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لما احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحِكَم والنظر إليها لعدم الحاجة إليها، ولِمَا فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما.
الثالث: أن التعليل بالحكمة المجرّدة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78] غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف الظاهر المنضبط، لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما عداه)) [35].
يلاحظ من النص السابق أن جمهور الأصوليين قرروا صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، وأن الحكمة إذا اشتملت على شروط العلة من حيث الوصف الظاهر والمنضبط فإنه يصح التعليل بها، وكذلك يجوز التعليل بالحكمة فيما إذا كانت مساوية للوصف في الظهور والانضباط. أما إذا كانت هذه الحكمة التي هي الغاية من تشريع الحكم غير ظاهرة وغير منضبطة (مضطربة) أحياناً فإنه لا يصح التعليل بها مطلقاً عند جمهور الأصوليين (36).
إن زعم هؤلاء أن الاستغلال هو العلة الحقيقية لتحريم الربا زعم باطل إذ لا دليل عليه لا من القرآن ولا من السنة، ولا من أقوال العلماء الذين ذكروا ضوابط التعليل بالعلة والحكمة.
إن الاستغلال أو الظلم هو الحكمة من تحريم الربا وليس العلة. فقوله تعالى: { وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة:279] بين الحكمة من أخذ المال بعد التوبة، وهي رفع الظلم عن المقرض والمستقرض.
فلا تَظْلمون المدين بطلب الزيادة على رأس المال الذي أخذه، ولا تُظلَمون أي الدائن بنقصان رأس مال الذي أعطاه للمدين [37]. فأفادت هذه الآية الكريمة أن الزيادة على رأس المال أو النقصان منه ظلم. وهذا الظلم أو الاستغلال فإنه يقع على الغني والفقير أو على المقرض والمقترض؛ لأن من أعطى زيادة على ما أخذ بغير وجه حق فقد ظُلم سواء أكان غنياً أم فقيراً. ومن أخذ أقل مما أعطى فقد ظلم سواء أكان فقيراً أم غنياً.
ومن هنا يبدو أن هذه الحكمة ليست وصفاً ظاهراً منضبطاً، بل هي مضطربة بحسب الأحوال والأشخاص، لذلك لا يجوز التعليل بها. ولو سلمنا جدلاً بأن الاستغلال هو العلة، فإن هذه العلة ليست ظاهرة ولا منضبطة، لأنه لا يوجد تلازم بين الاستغلال والفقر من جهة، بمعنى أن الفقير يكون مُسْتَغلاً حينما يأخذ قرضاً من أجل الاستهلاك، ولا يكون مستغلاً حينما يأخذ قرضاً من أجل الإنتاج؟!
إذ إن الحال أحياناً أن الفقير أو المستثمر الصغير الفقير يأخذ قرضاً إنتاجياً من الغني سواء أكان هذا فرداً أم شركة. ففي مثل هذه الحالة ألا يوجد ظلم واستغلال لهذا الفقير الذي يعمل بهذه القروض الإنتاجية وهو في خطر، إذ قد يربح وقد يفشل؟!... ثم إن الظلم والاستغلال لا يقع من الغني للفقير فحسب، بل يقع بين التجار الأغنياء أيضاً. فلو كانت المعاملة بين الأغنياء فمن هو المظلوم والمستَغل؟! لذلك يظهر فساد قول الباحث: (إن المقترض هنا هو الضعيف المضطر والمقرض هو القادر المستغل).
ويرد فساد هذا القول أيضاً أن الظلم والاستغلال يقع من الفقير للغني أحياناً، فلو أعطى هذا الفقير ماله قرضاً بفائدة لذلك الغني الذي استثمر هذا المال في مشروعات إنتاجية وخسرت هذه المشروعات، ألا يكون في ذلك ظلم واستغلال؟!...
ثم إنه قد ينتفي الظلم والاستغلال من عملية الربا ومع ذلك تبقى المعاملة ربوية يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدرس رضي الله عنه، قال: (جاء بلال بتمر برني فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من أين هذا“؟! فقال بلال: من تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبي عند ذلك: ”أوه عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به“ [38].
ففي هذه الصورة وهي ربا الفضل قد ينتفي الاستغلال؛ لأن الصاع الجيد يساوي الصاعين الرديئين. ومع ذلك تكون هذه المعاملة ربوية، فلو كانت العلة هي الاستغلال لجازت هذه المعاملة، ولكنها غير جائزة بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ومما سبق رأينا أنه قد يوجد الحكم وهو حرمة الربا ولا توجد العلة التي هي الاستغلال، وقد توجد العلة أو الحكمة ولا يوجد الحكم وهذا كله يقدح في كون العلة هي الاستغلال، لأن الأصوليين قرروا كما ذكرنا أن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته وجوداً وعدماً.
الخاتمة
يبدو مما سبق أن الربا محرم في القرآن الكريم والسّنّة النبوية، وعند علماء الأمة، سواء أكان الدافع إليه الإنتاج أم الاستهلاك. وأن دعوى إباحة الربا في القرض الإنتاجي لا أساس لها، ولا مستند يعضدها، بل الأدلة الكثيرة والمختلفة ترفض تلك الدعوى. بل إن تلك الأدلة لم تفرق بين الربا في القروض الإنتاجية أو الاستهلاكية، إنما حرمت الربا مطلقاً. ثم إنه لا يوجد أي مصلحة معتبرة ولا ضرورة لإباحة هذا النوع من الربا، لأن لكل من المصلحة والضرورة ضوابط شرعية يؤخذ بها.
ثم إن المصلحة هي بتحريم الربا لأن أضراره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أكثر من منافعه. ومن ثم فإنه لا يصح القول بأن العلة في تحريم الربا هي الاستغلال أو الظلم؛ لأن الظلم أو الاستغلال هو الحكمة من تحريم الربا، وهناك فرق بين الحكمة والعلة، فالحكم الشرعي يدور مع العلة لا مع الحكمة وجوداً وعدماً.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:23 pm

آثار الربا الاجتماعية
إن الربا عمل يتنافى مع الشرع الإسلامي ، إنه يقوم على الاستغلال ، والمرابي لا يجعل الله في حسابه ولا يراعي المبادئ والغايات والأخلاق، وإنما الغاية عنده هي تحصيل المال بأي طريق وأية وسيلة، ويؤدي هذا إلى إنشاء نظام يسحق البشرية ويشقيها أفراداً وجماعات، دولاً وشعوباً، لمصلحة شرذمة قليلة من المرابين لا يرعون عهداً ولا ذمة لأحد من الناس([1]).
وللربا في المجتمعات التي تتعامل به آثارٌ وخيمة على الفرد وحده وعلى المجتمع بأسره ويمكن أن نبحث في آثار الربا الاجتماعية من ناحيتين:-
الناحية الأخلاقية والنفسية والناحية الجماعية وهي كما يلي:-
المبحث الأول:- آثار الربا من الناحية الأخلاقية والنفسية:-
أنزل الله دينه ليقيم العباد على منهج العبودية الحقة التي تعرج بهم إلى مدارج الكمال، وتسموا بهم إلى المراتب العليا، وبذلك يتخلصون من العبودية([2])، لِيقَصروا أنفسهم على عبادة رب الخلائق، ويتخلصون بذلك من الدخن والفساد الذي يخالط النفوس في تطلعاتها ومنطلقاتها،إنّ الإسلام يريد أن يطهر العباد في نفوسهم الخافية المستورة، وفي أعمالهم المنظورة، وتشريعات الإسلام تعمل في هذين المجالين، وهذا الذي نشير إلى أنّ الإسلام يريده بنا هو الذي سمّاه القرآن التزكية والتطهير: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " [ التوبة : 103 ] . وقد أقسم الرب تبارك وتعالى في سورة الشمس أقساماً سبعة على أنّ المفلح من زكَّا نفسه، والخائب من دسَّاها:- " قد أفلح من زكاها، وقد من دساها " [ الشمس : 9 –10 ] . والربا واحد من الأعمال التي تعمق في الإنسان الانحراف عن المنهج السوي، ذلك أنّ المرابي يستعبده المال، ويعشي ناظريه بريقُه، فهو يسعى للحصول عليه بكل سبيل، وفي سبيل تحقيق المرابي لهدفه يدوس القيم، ويتجاوز الحدود، ويتعدى على الحرمات([3]).
والربا ينبت في النفس الإنسانية صفات ذميمة ويصرف عنه ما يحصل للمؤمنين المتقين من السعادة، وفيما يلي استعراض لأهم هذه الآثار الملاحظة على من يتعامل بالربا:-
1. الربا ينبت في النفس الإنسانية الجشع كما ينبت الحرص والبخل:-
وهما مرضان ما اعتورا نفساً إلا أفسدا صاحبها([4]) فبالنظر إلى العمل بالربا نجد أنه يبدأ من رغبة في جمع المال منطبعاً بالأثرة والبخل وضيق الصدر والعبودية للمال والتكالب عليها… وهذا على العكس مما يأمر به الشرع الاسلامي القائم على الزكاة والصدقات وعلى الكرم والسخاء والإيثار … وغير ذلك من الصفات الشريفة([5]).
2. الشَّره والكسل غير المريح:-
وإنَّ هذه الآفة([6]) تظهر آثارها جلية واضحة في الشره الذي يخيم على نفوس المرابين، ويجعلهم يستغلون كل قوى غيرهم وإنتاجه في كسب يعود عليهم، فإنَّ من السَّهل على مَنْ عنده عشرة آلاف درهم أن يعرضها بفائدة خمسة في المائة أو ستة في المائة فيجيء إليه وهو جالس في عقر داره خمسمائة درهم كل عام، من غير جهد ولا عمل ومن غير أن يتعرض لخسارة ، إلا أن تجتاح المقترض جائحة تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر… وفي غالب الأحيان قد احتاط الدائن لماله فينقض عند نكبة المدين على ما عساه يكون قد بقي من ماله…
وإنّ ذلك الكسل الذي يكون فيه الدائن ليس هو الكسل المريح، بل هو الكسل الذي يصحبه الوسواس الدائم والاضطراب المستمر لأنه قد أودع ثروته بين أيدي الناس يراقبهم، ويتتبعهم، لا ليشركهم في خسارتهم ومغارمهم كما يشركهم في كسبهم ومغانهم، بل يترقبهم ليحافظ على ماله وفائدته التي تتضاعف عاماً بعد عام.. ([7])
3. الإسراف وعدم الادخار:-
وإن تسهيل القرض بفائدة شجع الكثيرين على الإسراف وعدم الادخار، فإنه إذا كان يشجع على الادخار الآثم عند بعض الناس، فهو يشجع على عدم الادخار عند الآخرين، لأنه إذا كان المسرف يرى مَنْ يقرضه بالفائدة في أي وقت فأنه لا يرعوي، ولا يحسب حساب المستقبل بحيث يدخر في حاضره ما يحتاج إليه في قابله، وإن اضطرته حاجته يجد المصرف الذي يقرضه بفائدة الضامن الذي يضمنه([8]).
4. الاضطراب النفسي المستمر:-
إن التعامل بالربا يوجد اضطراباً نفسياً مستمراً بالنسبة لآكل الربا وموكله على السواء، وإنه فوق ما يحدثه من اضطراب في النظام الاقتصادي يوجد قلقاً نفسياً مستمراً للمتعاملين، وهو بالنسبة لآكله ينبعث من جشعٍ أساسه الكسب من جهود غيره، وبالنسبة للآخر المستغل ينبعث من جشعٍ في كسبٍ ليس في مقدوره.
والجشع من طبيعته أن يحدث اضطراباً مستمراً في قلب الجاشع، وأحاسيسه ومشاعره، ولذلك قرر بعض الأطباء المتدينين أنّ كثرة الأمراض التي تصيب القلب – فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر أو الذبحة الصدرية أو الجلطة الدموية أو النزيف بالمخ أو الموت المفاجئ – سببها ذلك الاضطراب الاقتصادي الذي ولَّد جشعاً لا تتوافر أسبابه الممكنة… ولو اسْتُبدل بذلك النظام الاقتصادي – الذي يجعل المقرض آكلاً دائماً، والمقترض مأكولاً غارماً في أكثر الأحوال أو كثير منها – نظامٌ اقتصادي أساسه التعاون بين المقرض والمقترض في المغنم والمغرم لكان أجلب للاطمئنان وأعدل وأقوم وأهدى سبيلاً([9]).
5. تخبط المرابي:-
قال تعالى:- " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" [ البقرة : 275 ].
وهذه الآية وإن كانت – كما يقول كثير من المفسرين- تتحدث عن حال المرابي عندما يقوم من قبره وأن حاله يكون كالذي يتخبطه الشيطان من المس، إلا أن النظرة المتأملة تهدينا إلى أن الحال التي يبعث عليها المرابي مناسبة للحالة التي كان عليها في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، فلما كان المرابي في دنياه يتخبط خبط عشواء، ويتصرف تصرفات خرقاء، كان خاله في الآخرة على الخط نفسه، قال الحرالي:-
(في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ففي إعلامه إيذان بأن آكله يُسلب عقله، ويكون بقاؤه في الدنيا بخُرْقٍ لا بعقل، يُقبل في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال) ([10]).
وقد عقب البقاعي على مقال الحرالي بقوله:-
(وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة، بل هم أدنى الناس وأدنسهم) ([11]).([12]).
6. الجبن والكسل:-
فالمرابي جبان يكره الإقدام، ولذلك يقول المرابون والذين ينظرون لهم: إنّ الانتظار هو صنعة المرابي فهو يعطي ماله لمن يستثمره، ثم يجلس ينتظر إنتاجه لينال حظّاً معلوماً بدل انتظاره، وهو كسول متبلد لا يقوم بعمل منتج نافع، بل تراه يريد من الآخرين أن يعملوا ثم هو يحصل على ثمرة جهودهم([13]).
7. قسوة القلب:-
إنَّ قلوب المرابين في بعض الأحيان تكون أقسى من الحجارة :- " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله "[ البقرة : 74 ] .
لقد وصف الله آكل الربا بأنه كفار أثيم في قوله:- " يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم" [ البقرة : 276 ].
وكفار وأثيم صيغتان من صيغ المبالغة تدلان على أن المرابي بلغ الغاية في الكفر([14]) والإثم، وذلك أن المرابي كما يقول ابن كثير- رحمه الله-:-
(لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل) ([15]).([16]).
وإنّ اهتمامات المرابي وتطلعاته وغاياته تدور حول أمر واحد هو مصالحه الذاتية، فلا تراه يحزن لدموع الثكالى، ولا لأنات الحزانى، ولا لأوجاع اليتامى، يرى البؤساء والفقراء، فلا يعرف من حالهم إلا أنهم صيد يجب أن تُمتص البقية الباقية من دمائهم.
ألم يصل الحال بالمرابين قساة القلوب إلى أن يستعبدوا في بعض أدوار التاريخ أولئك المعسرين الذين لم يستطيعوا أن يفوا بديونهم وما ترتب عليها من ربا خبيث؟.
8. أن أكل الربا والتغذي به من جملة موانع إجابة الدعاء:-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:-
" إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:- "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً" [ المؤمنون : 51 ] وقال تعالى:- " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " [ البقرة : 172 ] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب ، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والدارمي([17]).
فيؤخذ من هذا الحديث أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة…. وقد يكون ارتكاب المحرمات مانع من الإجابة أيضاً وكذلك ترك الواجبات…. وعن عمر- رضي الله عنه- قال:- (بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح)…. وقال مالك بن دينار : (أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجاً فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إليّ أكُفًّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعداً).
وقال بعض السلف: (لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي) ([18]).
ولا شك إن من أعظم المحرمات ومن أكبر الكبائر أكل الربا والتعامل به فيكون داخلاً في معنى هذا الحديث، لأن من ملء بيته من الربا وكان مطعمه ربا وملبسه ربا ومشربه الربا وغذي بالربا فقد عرض نفسه لهذه العقوبة من الله تعالى وهي عدم إجابة الدعوة.
المبحث الثاني:- آثار الربا على المجتمع بأسره:-
إنه لا يكاد يختلف اثنان في أنَّ المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالأثرة، ولا يساعد فيه أحد غيره إلا أن يرجو منه فائدة راجعة على نفسه، ويكون فيه عوزُ أحد ما وضيقُه وفقرُه فرصةً يغتنمها غيره للتمول والاستثمار، فتكون مصلحة الطبقات الغنية الموسرة فيه مناقضة لمصلحة الطبقات المعدمة، لا يمكن أن يقوم ويظل قائماً مثل هذا المجتمع على قواعد محكمة أبداً، ولا بد أن تبقى أجزائه مائلة إلى التفكك والتشتت في كل حين من الأحيان.
ثم إذا عاونت على هذه الوضعية الأسباب الأخرى أيضاً، لا تلبث هذه الأجزاء تتحارب وتتشابك فيما بينها.
وبالعكس من ذلك، إن المجتمع الذي يقوم بناؤه على التعاون والتناصح والتكافل ويتعامل أعضاؤه فيما بينهم بالكرم والسخاء، ولا يكاد يحس فيه أحد أن أحداً من إخوانه في حاجة إلى مساعدته، إلا سارع إلى الأخذ بيده، وعامل فيه الأغنياء إخوانهم الفقراء بالإعانة متطوعين أو بالتعاون العادل على الأقل، لا بد أن تنشأ وتنمو صعداً عواطف التحاب والتناصر والتناصح في قلوب أفراد مثل هذا المجتمع وتبقى أجزاؤه متكافلة متساندة فيما بينها ولا تتطرق إليه عوامل التنازع والتصادم الداخلي أبداً، وأن يكون أسرع كذلك إلى الرُّقي والكمال والازدهار من المجتمع الأول([19]).
والآثار التي تظهر في المجتمع الذي يتعامل بالربا آثار كثيرة نذكر بعضها فيما يلي:-
1. فقدان التآلف وحصول الكراهية والحقد والبغض بين أفراد ذلك المجتمع:-
لا يمكن أن تقوم المجتمعات الإنسانية ما لم يترابط الناس فيما بينهم بروابط الود والمحبة القائمة على التعاون والتراحم التكافل، ومنبعُ الود والمحبة والتكافل والتعاون والتراحم الأخوةُ بين أفراد الأمة الواحدة . والأفراد في الجماعة، أو القطاع من الأمة الذين لا تؤرقهم آلام إخوانهم وأوجاعهم ومصائبهم كالعضو الأشل، الذي عدم فيه الإحساس وانقطعت روابطه بباقي الجسد،…. كيف ينعم مجتمع إذا انبث في جنباته أكلة الربا الذين يقيمون المصائد والحبائل لاستلاب المال بطريق الربا وغيره من الطرق!! وكيف يتآلف مجتمع يسود فيه النظام الربوي الذي يسحق القويُّ فيه الضعيف!! كيف نتوقع أن يحب الذين نُهبت أموالهم، وسُلبت خيراتهم ناهبيهم وسالبيهم!! إنّ الذي يسود في مثل هذه المجتمعات هو الكراهية والحقد والبغضاء، فترى القلوب قد امتلأت بالضغينة، والألسنة قد ارتفعت بالدعاء على هؤلاء … الذين سلبوهم أموالهم([20]).
فالربا ينمي الضغائن والأحقاد بين الناس لعدم اقتناع المقترض بما أُخذ منه مهما كانت حاجته، ورغبته فيه([21]) فينشأ الحقد والغضب في قلبه ضد صاحب المال، حيث يشاهده يأخذ منه ما كسبه بعرق جبينه ظلما وباطلاً بدل أن يواسيه أو يقرضه قرضاً حسناً في ظروفه الحرجة… وهذا ليس كلاماً نظرياً فحسب، بل يشهد على ذلك التاريخ ويصدقه الواقع([22]).
وكثيراً ما يتعدى الأمر ذلك – الحقد والبغض- عندما يقوم المقترض بثورات تعصف بالمرابين وأموالهم وديارهم، وتجرف في طريقها الأخضر واليابس([23]).
2. اختلال توزيع الثورة المؤدي إلى خلل يصيب المجتمع:-
إذا أصبح المال دولة بين الأغنياء، شقي أغنياء ذلك المجتمع وفقراؤه، والربا يركز المال في أيدي فئة قليلة من أفراد المجتمع الواحد، ويحرم منه الجموع الكثيرة، وهذا خلل في توزيع المال … وهو الذي يجعل اليهود يصرون على التعامل بالربا، ونشرِه بين العباد، كما يحرصون على تعليم أبنائهم هذه المهنة، كي يسيطروا على المال ويحوزوه إلى خزائنهم.
وهذا الخلل الذي يُحدثه الربا في المجتمعات الإنسانية- وهو خلل توزيع الثروة- داءٌ يعجز علاجه الأطباء، وقد اعترف رجال الاقتصاد في العالم الغربي بعجزهم عن علاج هذا الخلل الذي أصاب العالم الغربي … يقول أحدهم:- (إنني وقد قاربت سنَّ التقاعد، أريد أ، أوصي الجيل الأصغر مني سنّاً في هذه القضية: لقد أصبحنا الآن بعد هذه الجهود الطويلة في بلبلة مستمرة، فكلنا يشقى بسبب توزيع الثروة، وتوزيع الدخل، سواء منها ما كان جزئياً، مثل قضية الفائدة والربا، أم ما كان مثل تفاوت الطبقات، تعبنا في هذا ولم نصل إلى شيء).
وهذا تصريح منه بالنتيجة الحتمية التي يصير إليها كل معرض عن هدي السماء: (لقد أصبحنا في بلبلة مستمرة)…(كلنا يشقى بسبب توزيع الثروة)…وتعبنا ولم نصل إلى شيء)….
إنه الشقاء ، شقاء الحياة الدنيا، وشقاء الآخرة أشد وأبقى " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى"[ طه : 124 – 126 ] ([24]).
ومن ظواهر هذا الأثر تضخم المال بطريق غير مشروعة، لأنه تضخم على حساب سلب مال الفقير وضمه إلى كنوز الغني، وحسبك بهذا داءاً فتاكاً في المجتمعات وسبباً في الخصومات والعداوات…([25])
3. تدمير الربا للمجتمعات:-
إن الربا بما يحدثه في النفوس من أمراض، وبما يوجده في الاقتصاد من بلايا، وبما يصنعه من خلل يصيب المجتمعات الإنسانية بالدمار…وقد لعب الربا دوراً هاماً في انهيار المجتمعات..وظهور الاقتصاديات القائمة على الرق منظراً لأن القرض قبل زمن كان مضموناً بشخص المقترض نفسه إلى جانب ضمانات أخرى كانت النتيجة نزع ملكية صغار المزارعين، وتحويل عدد منهم إلى رقيق، مما أدى في النهاية إلى تركيز الملكية العقارية في أيد قلائل، هذا ما فعله الربا في الماضي، وقد استطاع الكُتَّاب الذين لم يتعمقوا في باطن الأمور أن يدركوا آثاره في تلك المجتمعات، ولكن كثيراً من هؤلاء يظنون أن الفائدة الربوية اليوم لا تحدث في المجتمعات الإنسانية ما أحدثته في تلك المجتمعات، لقد حول المرابون في القديم البشرَ إلى عبيد يعملون في المزارع التي سرقوها من أولئك العبيد، ولا يزال المرابون إلى اليوم يسعون إلى السيطرة على ثمار جهود البشر وسرقة عَرَقِهم وأموالهم….وقد يقال إن الحال اليوم قد تغير، والفائدة أصبحت محدودة، وهي لا ترهق الأفراد ولا المؤسسات ولا الحكومات، وهذا قصور في النظر وخطل من القول، فإن فوائد البنوك الربوية وبيوتات المال في أوائل القرن لم تكن تتعدى الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة في المائة على أكثر تقدير، أما اليوم فإن الفائدة التي كانت تعلنها البنوك الربوية قد بلغت (18)أو(20) في المائة، وقد بلغ الربا في بعض المعاملات في إحدى الدول في أزمة من الأزمات (800) في المائة وكان حجم الأموال التي سببت الأزمة بلغ (27) ملياراً منها (9) مليارات تراكمت بسبب الربا والذين لا يأكلون الربا كانوا أبعد الناس عن التأثر بتلك الأزمة.
ومما يدل على أن هذا البلاء لا يزال آخذاً بأنفاس الناس، ولا يزال رابضاً على قلوبهم، أن ما يسمى بدول العالم الثالث اليوم مثقلة بديون لا تستطيع صادراتها كلها أن تفي بسداد خدمة الديون الربوية([26]).
4. عدم استخدام المواهب في نهضة البلاد واستغلال خيراتها:-
فهو يربي الإنسان على عدم استخدام مواهبه التي أنعم الله بها عليه في العمل النافع والإنتاج المثمر، فيقعد عن العمل والسعي في الأرض وإذا وجد أن إيداعه لنقوده في بنك مثلاً يمكنه من الأكل من ربحها، فيفعل ذلك ويترك العمل ويصبح عضواً فاسداً في المجتمع حيث أفسد تعامله بالربا خلقه وشعوره تجاه أخيه فتفسد بذلك حياة الجماعة…([27])
5. التعامل بالربا يؤدي إلى خَلْق طبقة مترفة لا تعمل:-
حيث تعتمد هذا الطبقة على ما يعود لها من الأرباح الربوية، فتتعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها، إذ من يحصل على درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة([28]).
6. استغلال حاجة المحتاجين:-
فالربا يستغل حاجة المحتاجين ويلحق بهم الكثير من الأضرار دون اختيار منهم([29]) ، فالمجتمع الذي يتعامل بالربا مجتمع منحل، متفكك لا يتساعد أفراده فيما بينهم، ولا يساعد أحد غيره إلا إذا كان يرجو من ورائه شيئاً([30]).
7. الربا يلغي معاني الفضيلة:-
فهو يلغي معاني الفضيلة، والتعاون على البر والتقوى([31]) ، فالمرابي الذي قد أعشى نظره بريقُ المال لا يعرف إلا مصالحه وهو يبغض كل ما يؤدي إلى انقطاع أرباحه الربوية، وبهذا تتربى عنده تلك الخصال الذميمة من الشَّره والبخل والكسل والجبن هي مضادة تماماً لمعاني الفضيلة من الكرم والشجاعة والتعاون وحب الخير لعموم المسلمين.
8. انقطاع المعروف بين الناس من القرض:-
لعل من الحكم في تحريم الربا أنه يؤدي إلى انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض، إذْ لو حَلَّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله([32]).
9. أنه وسيلة الاستعمار:-
يقول السيد سابق رحمه الله :- (وهو وسيلة الاستعمار، ولذلك قيل: الاستعمار يسير وراء تاجر أو قسيس، ونحن قد عرفنا الربا وآثاره في استعمار بلادنا) ([33]).
هذه بعض الآثار التي تظهر في ذلك المجتمع الذي يتعامل بالربا، وهذا بعض ما يلاقيه من استبدل أوامر الله تعالى ومنهجه السوي بغيره من المناهج الأرضية ولو التزم الناس بأوامر دينهم التي منها ترك الربا وتحريمه، لعاشوا حياة سعيدة بعيدة عن الشقاء والضرر، ولكن الله سبحانه جعل السعادة لأهل الإيمان، والشقاء لمن أعرض عن الله وعن ذكره، والله المستعان.
([1]) الربا وخطره وسبيل الخلاص منه : 29 .
([2]) أي عبودية البشر .
([3]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 101 – 102 .
([4]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 102 .
([5]) الربا وخطره وسبيل الخلاص منه : 29 – 30 . وانظر أيضاً الربا أضراره وآثاره : 52 .
([6]) أي آفة الربا وهي آفة اجتماعية واقتصادية .
([7]) تحريم الربا تنظيم اقتصادي : 14 – 15 .
([8]) السابق : 17 .
([9]) تحريم الربا تنظيم اقتصادي : 18 – 19 . والربا وأثره على المجتمع الإنساني : 104- 105 .
([10]) تفسير القاسمي : 3 / 701 .
([11]) السابق .
([12]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 107 –108 .
([13]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 102 – 103 . وقد تقدم أن هذا الكسل تصحبه آثار أخرى من الاضطراب وغيره مما يجعل المرابي ليس مرتاحاً في حياته .
([14]) سبق المراد بالكفر هنا .
([15]) تفسير ابن كثير : 1 / 312 .
([16]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 108 –109 .
([17]) مسلم بشرح النووي : 7 / 88 رقم ( 1015 ) والترمذي : 8 / 174 رقم ( 2992 ) وأحمد : 2 / 2328 . والدارمي : 2 / 210 رقم ( 2720 ) .
([18]) جامع العلوم والحكم : 1 / 275 – 277 . وفيه الآثار عن عمر ومالك بن دينار وبعض السلف .
([19]) الربا للمودودي : 50 –51 .
([20]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 108 – 109 .
([21]) الاقتصاد الإسلامي : 85 .
([22]) التدابير الواقية : 90 –91 .
([23]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 109 –110 .
([24]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 111 – 114 . بتصرف . والربا خطره وسبيل الخلاص منه : 30 .
([25]) تيسير العلام : 2 / 198 .
([26]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 114 – 118 . بتصرف .
([27]) الربا خطره وسبيل الخلاص منه : 30 .
([28]) فقه وفتاوى البيوع : 154 . ومن محاسن الدين الإسلامي : 81 .
([29]) الاقتصاد الإسلامي : 85 .
([30]) الربا أضراره وآثاره : 52 .
([31]) الاقتصاد الإسلامي : 85 .
([32]) فقه وفتاوى البيوع : 154 . ومن محاسن الدين الإسلامي : 81 .
([33]) فقه السنة : 3 / 157 .






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:26 pm

آثار الربا الاقتصادية
إن الربا آفة من الآفات، إذا أصابت الاقتصاد فإنها تنتشر فيه انتشار السرطان في جسم الإنسان، وكما عجز الأطباء عن علاج السرطان فإن المفكرين ورجال السياسة والاقتصاد عجزوا عن علاج بلايا الربا.
ومن العجيب أن بعض الناس ظنوا أن الربا يحدث خيراً للناس، ومثلهم في ذلك مثل الذين يظنون أن التورم في بعض الأجساد الناشئ من المرض صحةً وعافيةً، فليس كل تضخم في الجسم صلاحاً، إن السرطان إنما هو تكاثر غير طبيعي لخلايا الجسم، وهذا التكاثر ليس في مصلحة الإنسان، بل هو مدمر لحياته، وفاتك به.
وكذلك ما يولد الربا ليس صلاحاً للاقتصاد بل هو مدمر للاقتصاد، والمشكلة أنَّ بلايا الربا لا تظهر مرة واحدة في كيان المجتمع وكيان الاقتصاد، يقول الرازي: (الربا وإن كان زيادة في الحال إلا إنه نقصان في الحقيقة) ([1]). وهذا مستفاد من النص القرآني: " يمحق الله الربا " [ البقرة :276 ] فالمحق نقصان الشيء حالاً بعد حال … فالذين يتعاملون بالربا يظنون أن فيه كسباً، والحقيقة التي أخبر بها العليم الخبير، والتي كشف عنها واقع البشر الذي دمره سرطان الربا أن الربا ممحقةٌ للكسب مدمرٌ للاقتصاد، ذلك أنه يطيبه بعلل خبيثة يعي الطبيبَ…. دواؤُها، الربا ليس بركة ورخاء بل هو مرض عضال يُذهب المال ويقلله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل"([2]). أي: قلة.
وعلماؤنا الذين أبصروا الحقائق من خلال النصوص القرآنية والحديثية أدركوا هذه الحقيقة، يقول الرازي: (إن الربا وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وإن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة فهي زيادة في الحقيقة) ([3]).
ويقول المراغي: (إن عاقبة الربا الخرابُ والدمار، فكثيراً ما رأينا ناساً ذهبت أموالهم، وخربت بيوتهم بأكلهم الربا) ([4]).
ويقول القاسمي: (المال الحاصل من الربا لا بركة له، لأنه حاصل من مخالفة الحق، فتكون عاقبته وخيمة) ([5]).
والآفات الاقتصادية التي يجلبها الربا كثيرة([6]) ، وسنذكر بعضها فيما يلي مبتدئين بالآثار العامة لهذه الآفة الاقتصادية – آفة الربا- :-
المبحث الأول:- الآثار الاقتصادية العامة للربا
والآثار العامة للربا على الاقتصاد كثيرة منها ما يلي:-
1. الربا من أسباب غلاء الأسعار:-
يشكو العالم اليوم من غلاء الأسعار، وسببه يرجع إلى حدٍّ كبير إلى النظام الربوي السائد اليوم، لا يرضى صاحب المال، إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة، أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح أكثر من نسبة الربا، وذلك لأنه يفكر بأنه استثمر المال وبذل الجهد واستعد لتحمل الخسارة فلا بد أن تكون نسبة الربح أكثر من نسبة الربا، وكلما زادت نسبة الربا غلت الأسعار أكثر منها بكثير، هذا إذا كان المنتج أو التاجر صاحب مال.
وأما إذا كان المنتج أو التاجر ممن يقترض الربا، فرفعُه أسعار منتجاته وسلعته أمرٌ بدهي، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه ربا…. يقول أحد علماء الغرب: (لعله يلزم أن تكون نسبة الربح من (15) إلى (20%) لترغيب الناس في مخاطرة الاستثمار عندما يكون سعر الفائدة الخالص(5) أو(6%)، وتُحدث تلك النسبة من الربح تفاوتاً في توزيع الدخل الفردي، وعند انخفاض السعر الخالص إلى (2) أو (3%) تحت تأثير نظام المصارف أو الوسائل المالية الأخرى سيكون ممكناً للمبادلة الاجتماعية أو السلطات المباشرة خفض نسبة الربح إلى (5) أو (10%) ) ([7]).
ولا يقف الأمر عند غلاء الأسعار، بل يحدث اضطراب في حياة الناس حيث لا يتمكنون من شراء حاجاتهم الأساسية بسبب غلاء الأسعار([8]).
هذا لأن الربا والفائدة سبب في رفع تكاليف الإنتاج التي يترتب عليها رفع الأسعار وهذا يؤدي إلى أضرار محققة على الناحية الاقتصادية([9]).
2. الربا من أسباب البطالة:-
يتسبب الربا في انتشار البطالة، وذلك لأن أصحاب الأموال يفضلون أموالهم بالربا على استثمارها في إقامة مشروعات صناعية أو زراعية أو تجارية، وهذا- بالتالي- يقلِّل فرص العمل، فتنتشر البطالة في المجتمعات التي يسود فيها التعامل الربوي، ويؤكد هذا ما نشاهده من معاناة الدول الغربية من مشكلة البطالة رغم تقدُّمها فنياً وتطورها في الصناعة…
وتبذل حكومات تلك الدول الجهد لتشغيل الناس والسيطرة على مشكلة مع إبقاء سبيلها؟ وقد بَيَّن علماء الغرب الارتباط الوثيق بين البطالة والتعامل الربوي، يقول أحدهم: (من مصلحتنا أن نخفض سعر الربا إلى درجة يتمكن من تشغيل الناس جميعاً) ([10]).([11]).
3. التضخم:-
التضخم يقصد به: وجود اتجاه صعودي في الأثمان بسبب وجود طلب زائد أو فائض بالنسبة إلى إمكانية التوسع في العروض.
والتضخم له أسباب طبيعية وأسباب غير طبيعية، ومن الأسباب غير الطبيعية الربا، فالمرابي بما يقرضه من فائدة مرتفعة يجبر أصحاب السلع والخدمات على رفع أثمان هذه السلع والخدمات، ولا شك أن التضخم يسيء إلى الناس كثيراً خاصة أصحاب الدخول النقدية الثابتة كالموظفين والعمال، ومن ثمَّ تنخفض دخولهم الحقيقية، وإذا اضطرت الحكومات إلى مواجهة الأمر برفع دخول الموظفين والعمال فالملاحظ أن تقرير الزيادة لا يتم بسرعة وفي الوقت المناسب، ولذلك يجب أن يعمل المفكرون ورجال السياسة والاقتصاد على محاربة التضخم، خاصة ذلك النوع الذي يُسمِّيه الاقتصاديون بالتضخم الجموح والذي ترتفع فيه الأثمان ارتفاعاً غير طبيعي، ومن أعظم الأسباب التي تؤدي إليه الربا، فمنعه إنما هو علاج لمرض خطير([12]).
4. الربا يسبب شقاوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية:-
يبدو أن النظام الربوي يساعد المقترضين، حيث يتمكنون من تلبية حاجاتهم بالمال الذي ينالونه بالقرض، لكن إذا نظرنا إلى ما يترتب على هذا الاقتراض وجدنا أنه سبب دمارهم وشقاوتهم،…. إنَّ نسبة الربا التي يتقاضاها المرابون من هؤلاء عالية جداً … ونتيجة لذلك، إذا وقع أحدٌ فريسةً للمرابين، فلا يكاد يخرج من شباكهم، يدفع المقترض ربا الدَّين، في كثير من الأحيان أكثر من أصل الدَّين، في حين يبقى الدَّين في ذمته كاملاً غير ناقص، وقد قيل عن حالة المدين المزارع في الهند:- (يولد الفلَّاح وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين) ([13]) ، وقد بين هذا علماؤنا قبل الغرب أثناء ذكرهم حكمة تحريم الربا، يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله- أثناء بيانه حكمة تحريم ربا القروض:- (فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحقَّ يؤخر مطالبته، ويصبر عليه بزيادة يبذلها له، تكلَّف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدَّين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخيه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا) ([14]).
5. منع الربا من الاستثمار في المشروعات المفيدة للمجتمع:-
يجد صاحب المال في النظام الربوي فرصة للحصول على نسبة معينة من الربا على ماله، وهذا يصرفه عن استثمار ماله في مشروعات صناعية وزراعية وتجارية مهما كانت مفيدة للمجتمع، إلا إذا اعتقد حصول نسبة ربح أكثر من تلك المشروعات من نسبة الربا،
وقد لا يرغب مع ذلك في تلك المشروعات، حيث إنها تتطلب بذل الجهد واستعداداً لتحمل الخسارة، في حين يتمكن فيه صاحب المال من الحصول على الربا بدون مشقة ومخاطرة، وقد بَيَّن العلماء هذه الحقيقة أثناء ذكرهم حكمة تحريم الربا، يقول الفخر الرازي:- (قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة، خفَّ عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمَّل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة) ([15]).
ويؤثر إعراض الناس عن استثمار أموالهم في المشروعات المختلفة على نمو رأس مال المجتمع…
فهكذا يحرم الربا أصحاب الأموال من استثمار أموالهم في المشروعات ويجعلهم كسالى، ويترتب على هذا الانخفاض في الإنتاج، ويظهر تأثير الربا في انخفاض الإنتاج من جانب آخر، وذلك أن نفقات المشروع الذي يقترض صاحبه مالاً له بالربا تزداد، فتقل نسبة الأرباح وبالتالي تضعف الرغبة في تنفيذ المشروع، وهذا يؤدي إلى انخفاض الإنتاج([16]).
6. تعطيل الطاقات البشرية:-
الربا يعطل الطاقات البشرية المنتجة، ويُرغِّب في الكسل وإهمال العمل، والحياة الإنسانية إنما ترقى وتتقدم إذا بذل الجميع طاقاتهم الفكرية والبدنية في التنمية والإعمار، والمرابي الذي يجد المجال رحباً لإنماء ماله بالربا يسهل عليه الكسب الذي يؤمن له العيش، فيألف الكسل، ويمقت العمل، ولا يشتغل بشيء من الحرف والصناعات، يقول الرازي:( حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة، خفَّ عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمَّل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والعمارات) ([17]). ثم إنَّ تعطيل الربا للطاقات المنتجة لا يتوقف على تعطيل طاقة المرابي، بل إنّ كثيراً من طاقات العمال ورجال الأعمال قد تقل أو تتوقف، ذلك أن الربا يوقع العمال في مشكلات اقتصادية صعبة، فالذين تصيبهم المصائب في البلاد الرأسمالية لا يجدون إلا المرابي الذي يقرضهم المال بفوائد عالية تعتصر ثمرة أتعابهم، فإذا أحاطت هذه المشكلات بالعمال أثرت في إنتاجهم.
هذا جانب، وجانب آخر أن الربا يسبب الركود الاقتصادي والبطالة وهذا يعطل الطاقات العاملة في المجتمعات الإنسانية([18]).
7. تعطيل المال:-
وكما يعطل الربا جزءاً من الطاقات البشرية الفاعلة، فإنه كذلك يعطل الأموال عن الدوران والعمل، والمال للمجتمع يعد بمثابة الدم الذي يجري في عروق الإنسان، وبمثابة الماء الذي يسيل إلى البساتين والحقول، وتوقف المال عن الدوران يصيب المجتمعات بأضرار فادحة، مثله كمثل انسداد الشرايين، أو الحواجز الذي تقف في مجرى الماء.
وقد رهب الله تبارك وتعالى الذين يكنزون المال وتهددهم بالعذاب الأليم الموجع:- " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" [ التوبة : 34 –35 ]
وقد شرع الله من الأحكام ما يكفل استمرار تدفق المال إلى كل أفراد المجتمع، بحيث لا يصبح المال دولة بين الأغنياء دون غيرهم:" كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" [ الحشر : 7 ].
والمرابي بجبنه وتطلعاته إلى الكسب الوفير لا يدفع ماله إلى المشروعات النافعة والأعمال الاقتصادية إلا بمقدار يضمن عودة المال وافراً كثيراً، وهو يحبسه إذا ما أحس بالخطر، أو طمع في نسبة أعلى من الفائدة في المستقبل، وعندما يقل المال في أيدي الناس يقع الناس في بلاء كبير.
ثم إن مقترضي المال بالربا لا يُسهمون في الأعمال المختلفة إلا إذا ضمنوا نسبة من الربح أعلى من الربا المفروض على الدَّين([19]).
8. الربا يشجع على المغامرة والإسراف:-
الحصول على المال بالربا سهل ميسور، ما دام المرابي يضمن عودة المال إليه، ولذا فإنّ الذين ليس لهم تجربة، وليس عندهم خبرة، يغريهم الطمع، فيأخذون القروض بالربا، ثم يدخلون في أعمال هي إلى المقامرة أقرب منها إلى الأعمال الصالحة، ومتى كَثُر هذا النوع من الأعمال فإنه يضر باقتصاد الأمة، والمرابي لا يمتنع من إمداد هؤلاء بالمال، لأنه لا يشغل باله الطريقة التي يوُظَّف المال بها، وكل ما يشغله عودة المال برباه، وقد أوجب علينا الإسلام منع السَّفيه من التصرف في ماله حفاظاً على ثروة الأمة من الضياع:- " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي يجعل الله لكم قياماً" [ النساء : 5 ] ولاحظ قوله: "أموالكم"، فقد جعل مال السفيه مالاً للأمة بها قوام أمرها فالربا يسهل وضع الكثير من مال الأمة بين أيدي المغامرين والجهلاء الذين قد يبددون هذه الأموال، ويزداد الأمر سوءاً عندما يستولي المرابي على بيوتهم ومزارعهم والبقية الباقية من مصانعهم ومتاجرهم.
وسهولة الاقتراض بالربا تشجع على الإسراف وإنفاق المال فيما لا يفيد ولا يغني..يقول المراغي([20]):-
(فالسر في هذا أن المقترضين يسهل عليهم أخذ المال من غير بدل حاضر ويزين لهم الشيطان إنفاقه في وجوه الكماليات التي كان يمكن الاستغناء عنها، ويغريهم بالمزيد من الاستدانة، ولا يزال يزداد ثقل الدّين على كواهلهم حتى يستغرق أموالهم، فإذا حل الأجل لم يستطيعوا الوفاء وطلبوا التأجيل، ولا يزالون يماطلون ويؤجلون، والدّين يزداد يوماً بعد يوم، حتى يستولي الدائنون قسراً على كل ما يملكون، فيصبحون فقراء معدمين، صدق الله :" يمحق الله الربا ويربي الصدقات"[ البقرة : 276 ] ([21]).
9. الكساد والبطالة:-
إذا ارتفعت أثمان الأشياء ارتفاعاً عالياً فإن الناس يكفون عن الإقبال على السلع والخدمات المرتفعة الأثمان، إما لعدم قدرتهم على دفع أثمانها، أو لأنها ترهق ميزانيتهم، وإذا امتنع الناس عن الشراء كسدت البضائع في المخازن والمتاجر، وعند ذلك تقلل المصانع من الإنتاج، وقد تتوقف عنه، ولا بد في هذه الحالة من أن تستغني المصانع والشركات عن جزء من عمَّالها وموظفيها في حالة تخفيض إنتاجها، أو تستغني عن جميع عمّالها وموظفيها إذا توقفت عن الإنتاج، وعندما يحس المرابين بما يصيب السوق من زعزعة يزيدون الطين بلَّة، فيقبضون أيديهم، ويسحبون أموالهم، فعند ذلك تكون الهزات الاقتصادية. الأمر العجيب لأن الأموال في المجتمع كثيرة، ولكنها في خزائن المرابين، والناس بحاجة إلى السلع، ولكنهم لا يشترونها لعدم وجود المال بين أيديهم، والعُمَّال يحتاجون إلى عمل، ولكن المصانع والشركات تمتنع من تشغيلهم لحاجتها إلى المال من جانب وإلى تصريف بضاعتها من جانب.
إن الربا يحدث خللاً في دورة التجارة، والإسلام في سبيل إصلاح هذا الخلل وغيره حرَّم الربا، وشرع تشريعات كثيرة تمنع تركز المال في أيدي طائفة من أفراد المجتمع…
واليوم تعاني أمريكا زعيمة الرأسمالي من أزمة بطالة مخيفة حيث زاد عدد العاطلين عن العمل في أمريكا عن اثني عشر مليوناً، وعدد الشركات التي أعلنت إفلاسها في عام 1982م ربا على (25000) شركة، وهذه النسبة تُعدُّ رقماً قياسياً لم تبلغه تلك الديار منذ سنة 1933م، وأظهرت إحصاءات رسمية أذيعة في بون ألمانيا الغربية أن عدداً قياسياً من شركات ألمانيا الغربية قد أفلست في عام 1982م بسبب الكساد والركود الاقتصادي وأسعار الفائدة المرتفعة ونقص رأس المال الاستثماري …([22]) إن تكبيل الأمم بهذه القيود الرهيبة يجعلها تعمل وتعمل وتعمل ولا تستفيد من عملها شيئاً، كل عملها يذهب إلى خزائن المرابين،وعند ذلك لا يستطيع الأفراد الحصول على حاجياتهم، ومع ذلك فإن الدولة تفرض المزيد من الضرائب، وترفع الأسعار لمواجهة العجز في مدفوعاتها، فتقوم الثورات وتحصل الاضطرابات وتزهق الأرواح،… وقد يصل الأمر إلى درجة تعجز الدولة عن السداد وعند ذلك تلغي الدولة ديونها…([23])
10. توجيه الاقتصاد وجهة منحرفة:-
ومن بلايا الربا أنه يُوجه الاقتصاد وجهة منحرفة، فالمرابي يدفع لمن يعطيه ربحاً أكثر، وأخذ القرض الربوي لا يوظف المال الذي اقترضه إلا في مجالات تعود عليه بربح أكثر مما فرضه عليه المرابي.
إذن القضية تكالبٌ على تحصيل المال، وفي سبيل ذلك تتجاوز المشروعات النافعة التي تعود بالخير على المجتمع، ويوظف المال في المشروعات الأكثر إدراراً للربح.
فإذا كانت نوادي القمار ونوادي العهر والفسق تعطي عائداً أكثر من المشروعات الصناعية والتجارية فإن المال الربوي يجري إليها جرياً، في حين تحرم المشروعات التي يحتاج إليها الإنسان من تلك الأموال([24]).
11. التسبب في الأزمات الجائحة:-
إن الربا في ذاته يسهل على الناس أن يدخلوا في مغامرات لا قبل لهم باحتمال نتائجها – كما سبق بيانه- فالتاجر بدل أن يتجر في قدر من المال يتكافأ مع قدرته المالية على السداد، يأخذ مالاً بفائدة ليزيد في متجره، وقد يكسب من ذلك….، ولكن العاقبة غير محمودة إن نزلت البضائع، فإنه لا يكون في قدرته البيع في الوقت الذي يريد، إذ أن الفائدة التي تلاحقه، والديون التي تركبه تضطره للبيع في الوقت الذي لا يناسبه، فتكون الخسارة الفادحة، أو يكون الإفلاس المدمِّر، والديون تحيط بذمته، كما تحيط الأغلال بعنقه.
وقد ثبت أن الأزمات الجائحة التي تعتري الاقتصاد العالمي تكون من الديون التي تركب الشركات المقلة، فإن عجزها عن السداد عند الكساد يدفعها إلى الخروج عن بضاعتها بأقل الأثمان إن وجدت من يشتري، ولذلك كانت تعالج هذه الأزمات الجائحة بتقليل الديون بطرق مختلفة، كإحداث تضخم مالي من شأنه أن يضعف قيمة النقد فيقل الدين تبعاً لذلك…. أو بتنقيص الديون مباشرة([25]).
12. إضعاف القوة الشرائية عند الطبقة الفقيرة والعمال مما يعرقل ترقية التجارة والصناعة:-
إن المرابي يسلب مَنْ يقرضه من ذي الحاجة آخرَ ما يبقى عنده من قوة الشراء.
إن بطالة مئات الألوف من البشر، والدخل الزهيد لملايين منهم سبب عرقلة شديدة في سبيل ترقية تجارة البلاد وصناعتها،…. وإذا حصلت بعض القوة الشرائية عند هؤلاء الملايين من الفقراء بدخلهم القليل وأجورهم غير الكافية، فإنهم لا يستطيعون أن يشتروا بها أدوات الحاجة ومرافق الحياة اللازمة، فإن المرابي يسلبهم معظمها ثم لا يستهلكها في اشتراء البضائع والخدمات ولكن ليزيد على المجتمع قروضاً تجلب مزيداً من الربا إلى خزانته، فلو أنه إذا كان في الدنيا كلها خمسون مليون رجل ممن وقعوا في مخالب المرابين يؤدي كل واحد منهم جنيهاً فقط في كل شهر، فمعناه أن الدنيا يبقى فيها في كل شهر من البضائع ما قيمته خمسون مليوناً دونما استهلاك، وينصرف هذا القدر من المال في كل شهر في خلق قروض ربوية جديدة بدل أن يرجع إلى إنتاج البلاد الاقتصادي([26]).
13. وضع مال المسلمين بين أيدي خصوم الإسلام:-
من أخطر ما أصيب به المسلمون أنهم أودعوا الفائض من أموالهم في البنوك الربوية في دول الكفر، وهذا الإيداع يجرد المسلمين من أدوات النشاط الاقتصادي ومن القوة الظاهرة في المبادلات، ثم يضعها في أيدي أباطرة المال- اليهود- الذين أحكموا سيطرتهم على أسواق المال وهذه والفوائد الخبيثة التي يدفعها لنا المرابون هي ثمن التحكم في السيولة الدولية([27]).
المبحث الثاني:- من أضرار الربا في قروض التجار والصناع (القروض الإنتاجية) ([28]) :
هذه القروض هي التي يأخذها التجار والصناع وأصحاب الحرف الأخرى لاستغلالها في شؤونهم المثمرة([29]).
إنَّ مما تقتضيه مصلحة التجارة والصناعة والزراعة وما إليها من الأعمال الاقتصادية الأخرى، أن الذين يشتركون فيها من أي وجه من الوجوه ينبغي أن تكون مصالحهم وأغراضهم وميولهم متحدة متجهة إلى ترقيتها والارتفاع بها، وأن تكون خسارتها خسارتهم جميعاً حتى يسعوا مجتمعين للسلامة من خطرها وإنقاذ أنفسهم من الوقوع فيه، وأن يكون ربحها ربحهم جميعاً ليستفيدوا في ترقيتها.
فكان مما تُجبه المصلحة الاقتصادية من هذه الناحية أن الذين يشتركون في التجارة أو الصناعة أو الزراعة لا بقواهم الذهنية أو البدنية ولكن برؤوس أموالهم فقط، ينبغي أن تكون مشاركتهم أيضاً من هذا النوع نفسه حتى يكونوا على اتصال بها كغيرهم، ويسعوا معهم في ترقيتها وإنقاذها من الوقوع في الخسارة، لكن لما انفتح على وجوه المرابين من أصحاب الأموال أن يستغلوا أموالهم في التجارة والصناعة لا من حيث هم شركاء فيها بل على أن يكون منهم ديناً فيها، وألا يزالوا يحصلون كذلك من التجارة أو الصناعة على ربحهم حسب سعر معين سنة فسنة أشهراً فشهر…
فالذين بأيديهم الوسائل لجمع المال واستغلاله في أعمال الإنتاج الاقتصادي لا يستغلونه في التجارة أو الصناعة بأنفسهم ولا يشاركون به غيرهم بل الذي يتمنونه ويسعون له دوماً أن ينصرف رأس مالهم في تجارة غيرهم أو صناعتهم أو زراعتهم بصورة الدين حتى يضمن لهم ربح مالي معين على تقلبات الأحوال وحدوث الكوارث، ويودُّون أن يكون هذا الربح المالي المعين على أرفع ما يكون من السعر السنوي أو الشهري مما له مضار فادحة عديدة نشير إلى بعضها فيما يلي([30]):-
1. ركز المال في موضع واحد دون أن يتقلب في شـأنٍ نافع مثمر وتعذر وسائل الإنتاج:
لا يزال معظم رأس المال بل كله أكثر الأحيان، مدخراً مرتكزاً في موضع واحد دون أن يتقلب في شأن نافع مثمر لا لشيء إلا لأن الرأسماليين يرجون ارتفاع سعر الربا في السوق.
نعم، تكون في الدنيا وسائل كافية قابلة للإنتاج، وكذلك يكون في الدنيا عدد غير يسير من طلاب المعاش يهيمون على وجوههم ملتمسين العمل المرتزق لأنفسهم، وكذلك يكون الطلب على أدوات الحاجة ومرافق الحياة موجوداً في الناس، ولكن على كل ذلك لا تكون في الدنيا وسائل الإنتاج ولا يجد العاطلون عملاً يرتزقون منه ولا تستهلك البضائع في الأسواق حسب الطلب الحقيقي.
وما كل ذلك إلا لأن الرأسمالي لا يعطي ماله لتجارة أو صناعة مادام لا يرجوا أن يعود عليه ماله بذلك السعر المرتفع الذي يود أن يناله بماله([31]).
2. عدم الاستفادة من الأموال إلا وفق مصلحة ذلك المرابي:-
إن الطمع في السعر المرتفع شيء يجعل الرأسمالي يمسك ماله عن جريانه إلى تجارة البلاد وصناعتها وزراعتها، أولا يفتحه لها إلا وفق مصلحته الشخصية ، لا وفق حاجة البلاد، ومضرة ذلك على البلاد كمضرة من لا يفتح ماء ترعته، أو لا يفتحه إلا وفق ما تقتضيه مصلحته الذاتية لا وفق ما تقتضيه حاجة المزارع والبساتين.
يستعد لفتح الماء بسعر رخيص على أوسع قدر إذا كانت المزارع والبساتين لا تحتاج إليه، ويرفع سعره على قدر ما تشتد إليه حاجة المزارع والبساتين، ولا يزال يرفعه ويرفعه حتى لا تعود لأصحاب المزارع والبساتين منفعة ما في إرواء أراضيهم بمائه بهذا السعر([32]).
3. اتجاه رأس المال إلى أعمال لا تحتاج إليها المصلحة العامة:-
إنه من آثار الربا أن رأس المال لا يرضى أن يتجه إلى أعمال نافعة تشتد إليها الحاجة للمصلحة العامة مادامت لا ترد على صاحبه بالربح حسب سعر الربا في السوق، ويجري – على العكس من ذلك- متدفقاً إلى أعمال لا تحتاج إليها المصلحة العامة مادامت تعود على صاحبها بربح مغدق.
وبالجانب الآخر إن الربا هو الذي يحمل التجار والصناع ويدفعهم إلى الاستعانة بكل ما تصل إليه أيديهم من الطرق المشروعة وغير المشروعة ليكسبوا أكثر من سعر الربا([33]).
4. إرغام أصحاب الصناعة والحرف على سلوك طريق ضيق النظر وعلى عدم الجرأة في أعمالهم:-
يأبى الرأسماليون أن يقرضوا العمال والصناع أموالهم لأجل طويل لأنهم يريدون، في جانب أن لا تخلوا أيديهم أبداً من مقدار كبير من المال قابل للاستغلال في القمار، ويرتؤون في الجانب الآخر أنه إذا ارتفع سعر الربا في السوق فيما بعد فإنهم سيخسرون بما يكونون أقرضوا من أموالهم لأجل طويل من قبل.
فينتج من كل ذلك أن أصحاب الصناعة والحرف الأخرى يُرغمون طبعاً على سلوك طريق ضيق النظر، وعلى عدم الجرأة في أعمالهم، فلا يأخذون من هؤلاء الرأسماليين إلا ديوناً قصيرة الأجل ويكتفون بأعمال موقتة محدودة النطاق مكان أن يعملوا شيئاً للمصلحة العامة الدائمة والتوسيع في نطاقها.
ففي مثل هذا الوضع يستعصي عليهم أن يصرفوا ثروة عظيمة في شراء الآلات والماكينات المستحدثة، بل لا يجدون لأنفسهم بُدَّاً أن يظلوا يستخدمون ما بأيديهم من الآلات والماكينات القديمة المستعملة وألاّ يوردوا إلى السوق إلا منتجات رديئة، حتى يتمكنوا من الوفاء بما عليهم من الدين ورباه ويولدوا مع ذلك شيئاً من الربح لأنفسهم، ثم إن من آثار هذه الديون القصيرة الأجل نفسها أن أصحاب المصانع يقللون من إنتاج البضائع في مصانعهم بمجرد ما يحسون بقلة الطلب عليها من السوق، ولا يجدون من أنفسهم جرأة ـ ولو إلى مدة قصيرة ـ على أن يبقوا ينتجون البضائع في مصانعهم على ذلك النطاق نفسه الذي كانوا ينتجونها عليه من قبل، لأنهم يجدون أنفسهم مهددين بالخطر الداهم قائمين على شفا حفرة من الإفلاس إذا انخفضت قيمة بضائعهم في السوق([34]).
5. إفلاس أكثر المدينين أو إتيانهم بحيل غير مشروعة مخلة بالنظام الاقتصادي في البلاد:-
إن المال الذي يستقرضه التجار والصناع لمشاريعهم التجارية والصناعية لأجل طويل، يسبب أخذ الربا عليه منهم حسب سعر معين كثيراً من المفاسد.
فمثل هذه الديون تؤخذ عامة لعشرة أعوام أو عشرين أو ثلاثين عاماً ويتفق فيها الفريقان على سعر مخصوص يوفيه المدين إلى الدائن سنوياً، ولا يراعي فيها ولا يمكن أن يراعي مادام لا يرى الفريقان من ظهر الغيب ما سيتقلب على أثمان البضائع من تطورات الارتفاع أو الانخفاض وأنه إلى أي حد سوف تزيد أو تقل أو تنعدم بتاتاً فرص الربح للمدين خلال مدة العشر سنين أو العشرين أو الثلاثين سنة الآتية.
وهَبْ أن رجلاً يستقرض اليوم مقداراً عظيماً من المال لعشرين سنة بسعر (70%) سنوياً ثم ينشئ على أساسه عملاً كبيراً مهماً، فهو مضطر بطبيعة الحال ألا يزال يؤدي إلى الدائن سنة فسنة إلى سنة(2017م) قسطاً من أقساط دينه وما عليه من الربا، ولكن إذا انخفضت الأثمان في السوق سنة (1999م) إلى شطر ما هي عليه اليوم مثلاً، فمعناه أن هذا المدين مادام لا يبيع في تلك السنين القادمة أضعاف ما يبيعه اليوم من بضائع، فإنه لن يستطيع أن يؤدي إلى الدائن قسطه من الدين ولا من الربا وستكون النتيجة اللازمة لذلك أن يفلس أكثر مدينين هذا الدائن أو يأتوا بحيل غير مشروعة مخلة بنظام بلادهم الاقتصادي لينقذوا أنفسهم من الإفلاس.
ومما لا يكاد يقوم فيه أدنى ارتياب عند كل عاقل أن الرأسمالي الذي يقرض التجار والصناع بين الأثمان المرتفعة والمنخفضة في مختلف الأزمان، ليس ربحه الذي لا يتبدل مع انخفاض الأثمان وارتفاعها في شيء من العدل والإنصاف ولا يمكن إثبات تمشيه مع مبادئ الاقتصاد، ومساعدته على الرفاهية الاجتماعية.
أوقد سمعتم في الدنيا بمقاول إذا كان يعاهد زبائنه على أن يهيأ لهم شيئاً من أدوات حاجتهم، يقطع أن لن يهيأ لهم هذا الشيء في العشرين سنة القادمة إلا بهذا السعر الذي يهيئه لهم به الآن.
فإن كان هذا الوضع الغريب لا يمكن في نوع من أنواع البيع الطويلة الأجل في الدنيا، فما للرأسمالي المرابي وحده دون غيره مع مدينه على قيمة مخصوصة لدينه، ثم لا يزال يتقاضاه إياهم إلى مدة غير قصيرة من السنين! ([35]).

المبحث الثالث:-
من أضرار الربا في قروض الحكومات من أهالي بلادها
وهذه القروض هي التي تأخذها الحكومات من أهالي بلادها لأغراض مثمرة أو غير مثمرة.
فهي على قسمين: نوع يكون لأغراض غير مثمرة ونوع يكون لأغراض مثمرة([36]).
ونتناول الآن كل قسم بالبحث لنعرف مضار الربا فيه:-
المطلب الأول
في قروض الحكومات من أهالي بلادها لأغراض غير مثمرة:-
كالحروب: أما هذا النوع فإن الربا عليه لا يختلف في شكله من الربا الذي يتقاضاه المرابون من مدينيهم الأفراد، بل هو شر منه وأكثر قذراً لأنه ليس معنى هذا النوع من الربا إلا أن ثمة رجلاً من كفله المجتمع ورباه وأخذ بيده حتى أصبح قادراً على الكسب ودافع عنه الأخطار وحماه من المضار والخسائر، وقام نظامه المدني والسياسي والاقتصادي بجميع الخدمات التي تيسر له أن يكسب معاشه وهو آمن وداع فأصبح يأبى أن يقرض مجتمعه شيئاً من ماله بغير الربا، حتى ولا عند الحاجات التي ليس من شأنها أن ترجع بشيء من الربح المالي، والتي تتوقف على تحققها مصلحته نفسه مع مصلحة غيره من أبناء المجتمع.
تراه يقول لمجتمعه الذي كفله ورباه : لا بد لي أن اتقاضاك أجري سنوياً على ما تقترض مني من المال، سواء أكسبت منه ربحاً أم لم تكسب.
أَقْذِرْ بهذا الوضع من المعاملة وأَبْشِعْ عندما تتعرض البلاد لحرب، ويمسي نفس هذا المرابي وماله وعرضه مع نفوس غيره من أفراد المجتمع وأموالهم وأعراضهم عرضة للخطر.
ومن المعلوم أن كل شيء في الخزانة ينفق في مثل هذه الحالات، وأنه لا ينفق لغرض ينحصر في نجاحه أو إخفاقه موت هذا المرابي وحياته أيضاً مع موت سائر أفراد المجتمع وحياتهم.
ومن أجل ذلك يكون جميع أفراد المجتمع يضحون فيه بمهجهم وأرواحهم وأوقاتهم وجهودهم ولا يتساءل أحد منهم عما سينال من الربح سنوياً على ما يبذل من روحه وأوقاته وجهوده للدفاع عن البلاد، إلا هذا المرابي فإنه يرفع رأسه من جمعهم ولا يرضى بإقراض شيء من ماله إلا على شرط أن ينال الربح على ماله بحساب كذا وكذا في المائة سنوياً، وألا يزال يناله مادامت الأمة بجميع أفرادها لا تصفيه حسابه وتؤدي إليه آخر قرش من رأس ماله ولو طالت هذه المدة إلى قرن كامل بل إلى عدة قرون، ويصر على أن ينهال هذا الربح على خزنته حتى من جيوب أولئك الذين يجرحون لدفاعهم عن بلادهم في أيديهم وأرجلهم ورؤوسهم، ويصابون في أولادهم وإخوانهم وأزواجهم عبثاً فهل تستحق مثل هذه الفئة أن يكفلها المجتمع ويسمنها بإيكالها الربا؟!!([37]).

المطلب الثاني
من أضرار الربا في قروض الحكومات من أهالي بلادها لأغراض مثمرة:-
يتسبب الربا في هذا النوع من القروض في مضار وخيمة في اقتصاد البلاد منها ما يلي:-
1. إصابة الحكومات بأزمات مالية شديدة:-
إن القروض التي تأخذها الحكومات لأغراضها المثمرة، تأخذها عامة لآجال طويلة، ولكن لا تكون أي حكومة، عندما تأخذ هذه القروض بسعر سنوي معين، على علم بما سيطرأ على أحوال بلادها الداخلي والشؤون الدولية الخارجية من التطورات والحوادث خلال العشرين أو الثلاثين سنة الآتية، ولا تدري هل ستعود عليها هذه الأغراض التي تأخذ لها هذه القروض بشيء من الربح أم لا؟.
وكثيراً ما تخطئ هذه الحكومات في مقاييسها وقلما تعود عليها مشاريعها وأعمالها بالربح على حسب سعر الربا فضلاً عن أن تعود عليها بربح أكثر.
فكل هذا من الأسباب الهامة والعوامل الأساسية التي تصيب الحكومات بأزمات مالية شديدة يستعصي عليها معها إيفاء رأس المال الديون السالفة وأقساط الربا فضلاً عن أن تنفق مزيداً من المال على مشاريع مثمرة جديدة([38]).
2. عدم إنفاق الحكومة الأموال في مشاريع مفيدة إن كانت نسبة ربحها أقل من الربا المفروض عليها:-
إن سعر الربا في السوق يقرر حداً للربح من المال، لا تستعد أي حكومة أن تنفق أموالها في عمل يرجع عليها بربح دونه، ولو كان ذلك العمل في منتهى الإفادة والنفع بالنسبة للجمهور في البلاد، فعمارة البقاع غير العامرة وإصلاح الأراضي القاحلة، وتهيئة الماء للري في البقاع الجدبة، وإنشاء الشوارع في القرى وحفظ صحة سكانها… وما إلى هذا من الأعمال النافعة الأخرى بالنسبة للبلاد وعامة سكانها، فمهما تكن بالغة في أهميتها في حد ذاته ومهما يلحق بالبلاد من الضرر بعدم وجودها، فإن أي حكومة لا تكاد تنفق فيها شيئاً من مالها مادامت لا ترجوا منها ربحاً مساوياً لسعر الربا في السوق أو أكثر منه([39]).
3. فرض الضرائب والمكوس على أهالي البلاد:-
إن الحقيقة في باب مثل هذه الأعمال والمشاريع التي تستقرض الحكومة المال بالربا للإنفاق فيها أن الحكومة إنما تلقي وزر رباها على عامة أهالي البلاد وتستجلبه من جيب كل واحد منهم بفرض الضرائب والمكوس عليهم ولا تزال تؤدى إلى الرأسماليين إلى مدة مديدة من الزمن آلافاً مؤلفة من الليرات في كل سنة.
فإذا كانت الحكومة تشرع اليوم مثلاً في مشروع كبير للري، وتنفق فيه خمسين مليون ليرة باستقراضها بسعر (6%)، فعليها – بحكم هذا الحساب- أن تؤدي في كل سنة ثلاثة ملايين من الليرات إلى الرأسماليين.
ومن الظاهر أن ليس بيد الحكومة ينبوع ينفجر لها بمثل هذا القدر الكبير من المال فهي تلقي وزره على الفلاحين الذين ينتفعون من هذا المشروع، ولا بد –على هذا- أن يكون هناك في كل ما يؤدي هؤلاء الفلاحون إلى الحكومة من المال جزء لأداء هذا الربا.
كما أن الظاهر كذلك أن هؤلاء الفلاحين لا يؤدون هذا الربا من جيوب أنفسهم، بل يلقون وزره على قيمة حاصل أراضيهم كأن هذا الربا يُؤخذ على وجه غير مباشر من كل من يشتري الغلة من السوق ليعد منه الخبز في بيته من أهالي البلاد([40]).
4. جريان الأموال من الفقراء إلى الأغنياء:-
وتتمة للأثر السابق: إذا عجزت الحكومة مثلاً، عن تسديد هذا الدين إلى خمسين سنة فإنها لن تنفك إلى نصف قرن تقوم بواجب جمع "الاكتتاب" من الفقراء وتساعد به الأغنياء في بلادها، ولن تكون منزلتها في هذا الشأن مختلفة عن منزلة كاتب الحسابات المرابي فكل هذا مما يجعل الثروة في الاقتصاد الاجتماعي تجري من الفقراء إلى الأغنياء، مع أن الذي يقتضيه فلاح الجماعة ومصلحتها هو أن يكون جريان الثروة من الأغنياء إلى الفقراء([41]).
وأخيراً إن هذه المضار والمفاسد لا توجد في الربا الذي تؤديه الحكومة على قروض تأخذها لأغراضها المثمرة فحسب، بل هي توجد أيضاً في جميع المعاملات الربوية التي يتعامل بها أصحاب التجارة والصناعة والحرف الأخرى، لأن من الظاهر أن كل تاجر أو صانع أو زارع لا يؤدي الربا إلى المرابي من جيبه، بل يلقي وزره على أثمان بضائعه ومنتجاته وحاصلات أرضه ويجمعه فلساً فلساً من جيوب عامة الأهالي "اكتتابا" منهم لمساعدة أصحاب الملايين وعشرات الملايين.
الحق أن أكثر من يستحق المساعدة في هذا النظام المنكس الغاشم هو أغنى من في البلاد من أصحاب الثراء والأموال، وأن أكثر من يجب عليه أن يساعد هذا "المسكين" هو من لا يكسب بعرق جبينه ووصله سواد ليله ببياض نهاره إلى ليرة أو بعض ليرة حيث الحرام عليه أن يشتري بها رغيفاً يمسك به رمق حياته وحياة أهله وأولاده المتضورين جوعاً قبل أن يُخرج من هذا الرغيف حق ذلك "المسكين" المتمول الذي يستحق المرحمة والمعونة أكثر من غيره([42]).
المبحث الرابع:-
من أضرار الربا في قروض الحكومات من الخارج
وهي القروض التي تأخذها الحكومات من المرابين من خارج بلادها([43]).
إن مثل هذه القروض تكون عامة لمبالغ عظيمة قد تبلغ أحياناً آلاف الملايين… والحكومات عامة تأخذ هذه القروض في أحوال تهجم فيها على بلادها أزمات غير عادية لا تكاد تكفي وسائل البلاد المالية لتقوم في وجهها وتكشف غمتها، فتتجه إذن للاستقراض من الخارج طمعاً في ترقية وسائلها بمزيد من السرعة إذا أنفقت مقداراً عظيماً من المال في مشاريعها وأعمالها الإنشائية، ثم إن هذه القروض تؤخذ عامة بسعر يتراوح بين(6-7) و(9-10%) سنوياً، أي أن الربا عليها كثيراً ما يبلغ مئات الملايين سنوياً…!!
إن المتمولين والمرابين في سوق المال الدولية يقرضون مثل هذه الحكومات أموالهم بتوسيط حكوماتهم بينهم وبينها ويرتهنون منها إحدى وسائل دخلها المهمة كالجمرك أو التنبول أو السكر أو الملح، ضماناً منها بوفاء قروضها إليهم.
إن هذا النوع من القروض الربوية يحمل في نفسه جميع المفاسد والسيئات والمضار التي سلف فيها القول آنفاً…
ولكن بالإضافة إلى جميع هذه المفاسد والمضار يحمل هذا النوع في نفسه مفسدةً هي أشد خطراً وأكثر مضرة على الإنسانية من سائرها هي:-
" أن الأمم بجميع ما تشتمل عليه من الأفراد والطوائف تختل ميزانيتها وحالتها الاقتصادية لأجل هذا النوع من القروض"
مما يؤثر تأثيراً غير محمود في الوضع الاقتصادي للدنيا كلها، ويغرس بذور العداوة والبغضاء بين أمم الأرض وشعوبها، وليس إلا من فضل هذه القروض أن شباب الأمم البائسة عندما تتكسر قلوبهم في آخر الأمر يبدءون بالإقبال على فلسفات سياسية واجتماعية واقتصادية متطرفة والبحث عن الحل لمصائبهم وكوارثهم .. بطريق ثورات دامية وحروب ضارية.
من الظاهر أن كل حكومة إذا لم تكن وسائلها المالية كافية في رفع مصائبها وقضاء حاجاتها، فإن لها أن تؤدي كل سنة ربا مقداره عشرات ومئات الملايين… مع أدائها قسطاً من أقساط دينه، ولا سيما إذا كان دائنها ارتهن منها وسيلة كبيرة من وسائلها المالية وضيق نطاق دخلها عما كان عليه من قبل.
ومن ثَمَّ إن حكومةً تستقرض مبلغاً عظيماً من المال بهذا الطريق، قلما تزول مصائبها في معظم الأحيان، لأنها كثيراً ما تلتجئ لتصفية أقساط قروضها ورباها إلى فرض الضرائب الفادحة على رؤوس سكان بلادها والإقلال من نفقاتها، مما يزيد من قلق الأهالي ويسعر نار اضطرابهم في جانب لأنهم لا يستعيضون عما ينفقون من المال مالاً يعادله، وفي الجانب الآخر يستعصي على الحكومة أن تبقى مؤدية أقساط القروض والربا في الميعاد على ما تكلف به الجمهور وفوق طاقتهم في أداء الضرائب.
ثم إذا بدأ التقصير عن البلاء في أداء قروضها، بدأ قارضوها يرمونها بقلة الأمانة وأكل مال الغير بالحرام وبدأت جرائدهم …. بإيماء منهم، تطعن فيها، حتى يؤول الأمر إلى أن تتوسط حكومتهم بينهم وبينها ولا تقتصر على الضغط والإرهاب السياسي عليها لمصلحة رأسمالها فقط، بل تستغل مصائبها ونكباتها لمصالحها السياسية أيضاً، فتحاول حكومة البلاد المدينة النجاة من هذه الأزمة بالزيادة من ضرائبها على سكان بلادها وتقل من نفقاتها ولكن ذلك يؤثر تأثيراً لا تحمد عواقبه في أهاليها ويحدث في طبيعتهم النزق والطيش لأجل ما يتقبلون فيه بصفة دائمة من الأوزار المالية والأزمات الاقتصادية المتصاعدة، فيزيدهم طعن المقترضين في الخارج وضغطهم السياسي غضباً وزمجرة، مما يفضي بهم أخيراً إلى عدم الثقة بالمدبرين المعتدلين في بلادهم ويستعر في صدورهم نار الغضب والحنق ويجعلهم يتبعون المتطرفين الذين يتبرءون إلى الميدان يتحدون أصحاب تلك الديون يقولون: (أنزلونا عن مطالبكم واستردوا منا أموالكم إن كنتم على ذلك من القادرين).
وهنا يبلغ شر الربا وفتنته منتهاها، فهل لرجلٍ من ذوي الفهم والتعقل بعد كل هذا، أن يشك في فداحة شرور الربا ومفاسده وويلاته على المجتمع الإنساني، ويتردد في الاعتراف بأن الربا سيئة يجب تحريمها بتاتاً؟.
وهل لرجلٍ بعد أن شاهد مضار الربا ونتائجه، على ما بيناها آنفاً، أن يرتاب في صدق قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:-
"الربا سبعون جزءاً أيسرها أن ينكح الرجل أمه" ([44]) . ([45]). والحمد لله رب العالمين .
________________________________________
([1]) تفسير الرازي : 7 / 94 .
([2]) سبق تخريجه .
([3]) تفسير الرازي : 7 / 94 . بتصرف .
([4]) تفسير المراغي : 3 / 58 .
([5]) محاسن التأويل : 3 / 710 .
([6]) انظر ما سبق في الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 118 – 120 .
([7]) نقلاً من كتاب التدابير الواقية : 58 .
([8]) التدابير الواقية من الربا : 84 – 85 . بتصرف يسير .
([9]) الربا خطره وسبيل الخلاص منه : 33 . بتصرف .
([10]) نفلاً عن التدابير الواقية من الربا : 87 .
([11]) انظر هذا الأثر في التدابير الواقية من الربا : 85 – 87 .
([12]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 123 – 124 .
([13]) نقلاً من التدابير الواقية : 89 .
([14]) إعلام الموقعين : 2 / 103 . وانظر هذا الأثر في التدابير الواقية : 87 – 89 .
([15]) تفسير الرازي : 7 / 87 .
([16]) انظر هذا الأثر في التدابير الواقية : 82 – 84 .
([17]) تفسير الرازي : 7 / 87 .
([18]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 120 –121 .
([19]) السابق : 122 – 123 .
([20]) تفسير المراغي : 3 / 58 – 59 .
([21]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 129 –130 .
([22]) كتب هذا الكلام بتاريخ 1408 هـ .
([23]) السابق : 124 – 128 .
([24]) السابق : 128 – 129 .
([25]) تحريم الربا تنظيم اقتصادي : 16 .
([26]) الربا للمودودي : 58 – 59 . بتصرف .
([27]) الربا وأثره على المجتمع الإنساني : 132 .
([28]) هذا المبحث اعتمدت فيه على كتاب الربا للمودودي وقمت بترتيبه وتقسيمه على النقاط التي سأذكرها .
([29]) الربا للمودودي : 59 .
([30])الربا للمودودي : 59 – 60 .
([31]) السابق : 61 – 62 .
([32]) السابق : 62 .
([33]) السابق : 63 . بتصرف يسير .
([34]) السابق : 63 – 64 .
([35]) السابق : 64 – 66 . بتصرف .
([36]) السابق : 66 . بتصرف .
([37]) السابق : 66 – 67 .
([38]) السابق : 68 .
([39]) السابق : 68 – 69 .
([40]) السابق : 69 – 70 .
([41]) السابق : 70 .
([42]) السابق : 70 –71 .
([43]) السابق : 71 .
([44]) سبق تخريجه .
([45]) الربا للمودودي : 71 – 74 . مختصراً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:35 pm

من آثار الربا
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى جنته ورضوانه، والناهي والمحذر عن سخطه ونيرانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:......
الكسل والبطالة
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، واحذروا عقوبة المعاصي في الدنيا والآخرة ومنها: جريمة الربا التي تقضي على المودة والتراحم بين المسلمين، وتؤدي بالأغنياء إلى الكسل، وتصرفهم عن الأعمال المشروعة للكسب الحلال إذ يفضل الأغنياء التعامل بالربا مع راحة البدن على الاشتغال بالزراعة والصناعات، أو التجارة ونحوها مما يحتاج إلى تعب البدن وعنائه؛ ولا شك أن هذا ينشر البطالة، ويقتل روح التنافس بين أصحاب الحرف، ويؤدي إلى نقص الإنتاج وقلة موارده، وينتهي الأمر إلى الغلاء، أما إذا سد باب الربا استعمل الغني أمواله بالأمور النافعة بدلاً من تعطيلها وبدلاً من استعمالها بالربا.
الأمراض والمصائب والفتن
أمة الإسلام: الإسلام حرم الربا؛ لأنه يساعد على خلق النظام الفاسد المخرب، الربا سبباً لجلب غضب الله عز وجل، ومنها تسليط الأمراض وناهيك بأمراض انفتحت علينا لا نعرف اسمها ولا يعرفها آباؤنا ولا أجدادنا في الزمان السابق، إنما لما تعامل الناس بالربا وصار البعض من الناس يرتكب جريمة الزنا؛ تسلطت تلك الأمراض، وبعض الكوارث لمن يتعاملون بالربا ولمن يرتكبون الزنا فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد يقضي على حياتهم.
ومضار الربا شديدة أليمة وعاقبتها وخيمة، الذين يتعاملون بالربا تضطرب نفوسهم، وتختل عقولهم، وتراهم إذا قاموا وساروا يتخبطون كمن أصابه مس من الجنون، لا فرق في هذا بين الدائن والمدين، وإنما أصابهم ذلك؛ لأنهم استحلوا الربا وعدوه كالبيع، وغاب عنهم أن هناك فرقاً عظيماً يجعل البيع حلالاً والربا حراماً.
ويخشى على آكل الربا من سوء الخاتمة، فإليكم التفصيل من كلام الله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].
اللهم عافنا من أحوالهم ومن مآلهم إلى النار وهم فيها خالدون.
عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]. ويقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً }.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول لنا ولا قوة إلا بك.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ووفقهم لإزالة المنكرات وأعنهم عليها يا رب العالمين، وارزقهم بغضها يا حي يا قيوم، اللهم وارزقهم بغض المنكرات، وأعنهم على تغييرها وإزالتها بحولٍ منك وقوة فإنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين.
اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين واجعلهم قرة أعينٍ لوالديهم.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:37 pm

الأعجاز في تحريم الربا
يقول الدكتور زغلول النجار: الحكمة من تحريم "الربا" حماية الفقراء
"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"، الربا من الأمور التي حرمها الله تعالى وفي هذا التحريم إعجاز اجتماعي عظيم لأن الربا لا يضر فقط الفرد أو رجل الأعمال التاجر إنما يضر أسرته ومجتمع بل الأمة كلها ، قال تعالى "فاذنوا بحرب من الله " ، وكأن هناك جيش يقوده الله تعالى أمام ذاك المرابي ،فإن نظام الربا نظام يفتت المجتمع ونظام يدمر الأمم ويهلك الفرد والأسرة ولهذا حذرنا النبي عليه السلام من أكل الربا بحديث "من أكل درهما من الربا أشد من ست وثلاثين زنية".
توجه للدكتور زغلول النجار بهذا السؤال : لم كل هذا التشدد في تعظيم هذه المعصية وما هو الأعجاز في تحريم الربا...؟
الإسلام اعطى للمال قيمة كبرى ليس في ذاته لكن لأنه وسيلة تقييم جهود وممتلكات الآخرين لهذا لا يجوز لهذه الوسيلة أن تنمو إلا بطريقة حقيقية ولا تتناقص إلا بخسارة فعلية حتى تصبح وسيلة صحيحة للقياس.
ولو كان عندي مسطرة طولها خمس وعشرون مثلا فأجدها مرة خمسا وعشرين ومرة خمسا وثلاثين فلا تصلح للقياس ولهذا لكي يصبح المال وسيلة لممتلكات الآخرين لا بد أن تبقى قيمته ثابتة لا يزيد المال إلا بإنتاجية فعلية ولا يتناقص إلا بخسارة حقيقية ولهذا حرم الإسلام الربا تحريما قاطعا وجاء في الربا وأحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام تؤكد على حرمة الوقوع في هذا الحد من حدود الله الذي جعله النبي أحد السبعة الموبقات المهلكات التي حدثنا عنها في أحاديث كثيرة والقرآن يقول:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
المسلم الذي يتأمل هذه الآية الكريمة لا يمكن أن يتقدم إلى الربا مهما قدم له من مكاسب
لأن نهاية الربا أن يكسح كسحا كاملا ويتخيل الربا أنه وسيلة نماء وهو ليس وسيلة نماء إنما هو وسيلة تدمير لكن ما هي الحكمة من تحريم الربا....؟
الحكمة الرئيسية حماية الفقراء وأصحاب الدخل المحدود في المجتمعات الإنسانية لأن التاجر إذا رفعت له سلعتك فسيرفع عليك سلعته أما الموظف والعامل والمحال إلى التقاعد أو الأرملة أو اليتيم أو الفقراء في المجتمع عموما أصحاب الدخل المحدود يتأذون إيذاء كبيرا من الربا،لأن الربا هو الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار يوما بعد يوم
ويضيف دكتور زغلول: الربا إضافة للمال دون جهد ودون مخاطرة ودون إنتاجية فعلية يؤدي إلى ما يؤدي إلى التضخم والتضخم معناه أن يزيد كم المال وتضعف قوته الشرعية وهكذا فإن أصحاب الدخل المحدود يكتوون بهذا الفارق اكتواء شديدا.
لذلك فإنه من أسباب تحريم الربا حماية الفقراء في المجتمع وفي نفس الوقت الوقوف أمام النماء الاصطناعي الغير حقيقي لمال فأنا مثلا عندي مشروع سيكلف مائة مليون دولار فلو تساهمنا فيه وطرح في السوق وجمعنا مائة مليون دولار وجمعنا مائة مليون دولار تأتي البضاعة الناتجة عن هذا المشروع سيارة أو ماكينة من احتياجات الإنسان تأتي بتكلفتها زيادة على ذلك مصاريف النقل ولو أنني اقترضت هذا المبلغ من بنك بنوك الربوية فيفرض علي ابتداء عشرين بالمائة زيادة مثلا والمصنع لكي يقام سيبقى أربع أو خمس سنوات وستكون هذه الفائدة قد تضاعفت مرتين أو أكثر فيكتوي بذلك أصحاب الدخل المحدود في المجتمع.
لهذا فإن البنوك الإسلامي هي بنوك تذهب إلى المشروع الاستثماري أو الإنتاجي بطريقة مباشرة دون اقتراض من البنوك وتقف عند هذه الثغرة التي أرادنا ربنا أن نبتعد عنها.
إذن الربا لم يحرم عبثا إنما هنالك حكم وهناك أسباب ولهذا يطلق على المرابي وصف مصاص الدماء أي كأنه يمص دماء البشر ويمص أموال البشر والهدف من المال وتنميته في المجتمع أنه يشغل الناس ويدفع المجتمع نحو التنمية والرخاء لا أن أكتنز الأموال لجهة واحدة من خلال القرض ثم أعطيهم بعض الأرباح والذي يستفيد هو الغني والفقير يزداد فقرا.وهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن من علامات الساعة أن يربح المرء الدينار والدرهم دون أن ينظر أهو من حلال أم من الحرام.
تحريم الربا لم يأت فقط بهذه الآيات القرآنية الكريمة بل إن القرآن يحذر تحذيرا شديدا للوقوع في هذا الحد من حدود الله وهو القائل "فإن لن تنتهوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله"، ومعنى هذا أنه من لم ينته عن الربا بعد أن يصله هذا الحرب فليستعد بحرب من الله ورسوله ولا أظن عاقلا يستطيع أن يقف أمام الله ورسوله والنبي عليه السلام يقول:
لعن الله في الربا آكله وموكله وكاتبه وشاهديه أي كل من له صلة في عملية الربا يلعنه الله تعالى ولا يمكن أن يستقيم له شأن في الدنيا أو في الآخرة لهذا قال الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
بعض المفسرين قالوا هذا في الآخرة لكنني أقول إنه في الدنيا قبل الآخرة لأن الذي يفتح شهيته لجمع المال بأية طريقة ممكنة سواء بطريقة مشروعة أو غير مشروعة فسيصبح كالمجنون والمصروع الذي لا يعنيه شأن من شؤون الحياة إلا جمع المال ولهذا نرى الناس في سوق المال كذلك والتشبيه القرآني ينطبق عليهم تماما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:39 pm

في ظل الرخاء الآمن الذي يعد الله به الجماعة المسلمة التي تنبذ الربا من حياتها، فتنبذ الكفر والإثم، وتقيم هذه الحياة على الإيمان والعمل الصالح والعبادة والزكاة.
في ظل هذا الرخاء والأمن يهتف بالذين آمنوا الهتاف الأخير ليحولوا حياتهم عن النظام الربوي الدنس المقيت، وإلا فهي الحرب المعلنة من الله ورسوله بلا هوادة ولا إمهال ولا تأخير: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)(البقرة).
إن النص يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فهم ليسوا بمؤمنين إلا أن يتقوا الله ويذروا ما بقي من الربا، ليسوا بمؤمنين ولو أعلنوا أنهم مؤمنون، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد واتباع لما أمر الله به، فالذين يفرقون في الدين بين الاعتقاد والمعاملات ليسوا بمؤمنين، مهما ادعوا الإيمان، وأعلنوا بلسانهم أو حتى بشعائر العبادة الأخرى أنهم مؤمنون: يا أيها الذين آمنوا \تقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278. لقد ترك لهم ما سلف من الربا لم يقرر استرداده منهم ولا مصادرة أموالهم كلها أو جزء منها؛ بسبب أن الربا كان داخلاً فيها؛ إذ لا تحريم بغير نص ولا حكم بغير تشريع، والتشريع ينفذ وينشئ آثاره بعد صدوره، فأما الذي سلف فأمره إلى الله لا إلى أحكام القانون.
تشريع واقعي
وبذلك تجنب الإسلام إحداث هزة اقتصادية واجتماعية ضخمة لو جعل لتشريعه أثراً رجعياً، وهو المبدأ الذي أخذ به التشريع الحديث حديثاً، ذلك أن التشريع الإسلامي موضوع ليواجه حياة البشر الواقعية ويسيرها ويطهرها، ويطلقها تنمو وترتفع معاً، وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله، وعلمهم به واستجاش في قلوبهم مع هذا شعور التقوى لله، وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته، فيكون له من ضمانات التنفيذ ما ليس للشرائع الوضعية التي لا تستند إلا للرقابة الخارجية. وما أيسر الاحتيال على الرقابة الخارجية حين لا يقوم من الضمير حارس له من تقوى الله وسلطان.
ترغيب وترهيب
فهذه صفحة الترغيب وإلى جوارها صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله . يا للهول حرب من الله ورسوله! حرب تواجهها النفس البشرية! حرب رهيبة معروفة المصير مقررة العاقبة. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ ولقد أمر رسول الله { عامله على مكة بعد نزول هذه الآيات التي نزلت متأخرة أن يحارب آل المغيرة هناك إذا لم يكفوا عن التعامل الربوي.
وقد أمر الرسول { في خطبته يوم فتح مكة بوضع كل ربا في الجاهلية، وأوله ربا عمه العباس عن كاهل المدينين الذي ظلوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام بفترة طويلة حتى نضج المجتمع المسلم، واستقرت قواعده، وحان أن ينتقل نظامه الاقتصادي كله من قاعدة الربا الوبيئة وقال { في هذه الخطبة: "وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس"، ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حالة الجاهلية.
عملات مختلفة
فالإمام مكلف حين يقوم المجتمع الإسلامي أن يحارب الذين يصرون على قاعدة النظام الربوي، ويعتون عن أمر الله ولو أعلنوا أنهم مسلمون، كما حارب أبو بكر } مانعي الزكاة، مع شهادتهم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامتهم للصلاة. فليس مسلماً من يأبى طاعة شريعة الله ولا ينفذها في واقع الحياة. على أن الإيذان بالحرب من الله ورسوله أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام. فهذه الحرب معلنة كما قال أصدق القائلين على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي، هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة، وهي حرب على الأعصاب والقلوب، وحرب على البركة والرخاء، وحرب على السعادة والطمأنينة، حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض.
إيقاد الحروب
حرب المطاردة والمشاكسة، حرب الغبن والظلم ،حرب القلق والخوف. وأخيراً حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول، الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت. فالمرابون أصحاب رؤوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر، وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات، ثم تقع فيها الشعوب والحكومات، ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب. وأيسر ما يقع إن لم يقع هذا كله هو خراب النفوس وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات وتحطم الكيان البشري من أساسه وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة.
ركام يخنق الأنفاس
إنها الحرب المشبوبة دائماً، وقد أعلنها الله على المتعاملين بالربا وهي مسعرة الآن، تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة، وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع. وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر، ولكنها وهي تخرج من منبع الربا الملوث لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية ويسحقها سحقاً، في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون.
لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المشرع الطاهر النظيف، وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون 279. فهي التوبة عن خطيئة. إنها خطيئة الجاهلية، الجاهلية التي لا تتعلق بزمان دون زمان ولا نظام دون نظام. إنما هي الانحراف عن شريعة الله ومنهجه متى كان وحيث كان.. خطيئة تنشئ آثارها في مشاعر الأفراد وفي أخلاقهم وفي تصورهم للحياة، وتنشئ آثارها في حياة الجماعة وارتباطاتها العامة، وتنشئ آثارها في الحياة البشرية كلها وفي نموها الاقتصادي ذاته.
الأساس الصالح
ولو حسب المخدوعون بدعاية المرابين أنها وحدها الأساس الصالح للنمو الاقتصادي واسترداد رأس المال مجرداً، عدالة لا يظلم فيها دائن ولا مدين. فأما تنمية المال فلها وسائلها الأخرى البريئة النظيفة.. لها وسيلة الجهد الفردي ووسيلة المشاركة على طريقة المضاربة، وهي إعطاء المال لمن يعمل فيه ومقاسمته الربح والخسارة، ووسيلة الشركات التي تطرح أسهمها مباشرة في السوق بدون سندات تأسيس تستأثر بمعظم الربح. وتناول الأرباح الحلال من هذا الوجه ووسيلة إيداعها في المصارف بدون فائدة، على أن تساهم بها المصارف في الشركات والصناعات والأعمال التجارية مباشرة أو غير مباشرة ولا تعطيها بالفائدة الثابتة، ثم مقاسمة المودعين الربح على نظام معين أو الخسارة إذا فرض ووقعت. وللمصارف أن تتناول قدراً معيناً من الأجر في نظير إدارتها لهذه الأموال ووسائل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها، وهي ممكنة وميسرة حين تؤمن القلوب وتصح النيات على ورود المورد النظيف الطاهر، وتجنب المورد العفن النتن الآسن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:42 pm

النظام الاقتصادي الإسلامي مقارنة بالنظام الربوي
الربا هو الوجه الآخر المقابل للصدقة، فالصدقة عطاء وسماحة وطهارة وزكاة وتعاون وتكافل.. والربا شح ودنس وأثرة وفردية. والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد، والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه ودمه.
لهذا عرضته آيات الربا في سورة البقرة (من الآية 275 إلى الآية 281) مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود في آيات الصدقة، عرضاً منفراً يكشف عما في الربا من قبح وشناعة، ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع وفساد في الأرض وهلاك للعباد
فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى، ويدرك من يريد أن يتدبر حكمة الله، وعظمة هذا الدين، وكمال هذا المنهج ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة.
فها هي البشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها وتتلقى حقاً حرباً من الله تصب عليها النقمة والعذاب أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً.
نظامان متقابلان
النظام الإسلامي والنظام الربوي نظامان متقابلان لا يلتقيان في تصور ولا يتفقان في أساس، ولا يتوافقان في نتيجة، فالإسلام يقيم نظامه الاقتصادي ونظام الحياة كلها على أساس أن الله سبحانه هو خالق هذا الكون وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده، قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض، ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات على عهد منه وشرط، ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه ما يشاء كيف شاء، وإنما استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله وحسب شريعته، فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ، وما وقع منه مخالفاً لشروط التعاقد فهو باطل موقوف.
من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله فيكون بعضهم أولياء بعض، وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس الملكية الفردية المقيدة فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه، مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره الله له، وجعل الزكاة فريضة في المال محددة والصدقة تطوعا غير محدد، وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال، ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون، وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم، ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال، وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة، وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره، وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.
سحق البشرية
والربا عملية تصطدم مع قواعد التصور الإيماني، ونظام يقوم على تصور لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى ومن ثم لا رعاية فيه للمبادئ والغايات والأخلاق التي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها، وهو غير مقيد بعهد من الله، وغير ملزم باتباع أوامر الله. ثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال وفي طرق تنميته كما هو حر في التمتع به، غير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين. ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته.
ثم ينشئ في النهاية نظاماً يسحق البشرية سحقاً، ويشقيها في حياتها أفراداً وجماعات ودولاً وشعوباً لمصلحة حفنة من المرابين
وينتهي كما انتهى في العصر الحديث إلى تركيز السلطة الحقيقية والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق الله وأشدهم شراً، وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلا ولا ذمة ولا يرقبون فيها عهداً ولا حرمة، وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً كما يداينون الحكومات وترجع إليهم الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها وكد الآدميين وعرقهم.
كارثة العصر: والكارثة التي تمت في العصر الحديث ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية هي أن هؤلاء المرابين قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها، وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي.
إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة، وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم، وفي مقدمتهم د.شاخت الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقاً، وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام1953م: "إنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين؛ ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة ومن ثم فإن المال كله في النهاية يملكه ملكاً حقيقياً بضعة ألوف. أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال وغيرهم فهم ليسوا سوى أُجراء يعملون لحساب أصحاب المال ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف.
ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين، فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية".
حقائق أساسية
ونحن هنا في ظلال القرآن لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي، فهذا مجاله بحث مستقل. فنكتفي بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية:
الحقيقة الأولى: أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي، وكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع .
الحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية، لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب، بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً، ويعطل نموها الإنساني المتوازن.
الحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماماً، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته ومحاسب عليه في آخرته، وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق.
الحقيقة الرابعة: أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه وشعوره تجاه أخيه في الجماعة، وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة. أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحاً مضموناً.
الحقيقة الخامسة: أن الإسلام نظام متكامل، فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عنه، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد.
الحقيقة السادسة: أن الإسلام حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة اللازمة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة.
الحقيقة السابعة: ضرورة اعتقاد المسلم أن هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمراً لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه. كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتمي لقيام الحياة وتقدمها، وإنما هو سوء التصور وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالاً على بث فكرة أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني.
الحقيقة الثامنة: إن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغداً على أساس غير الأساس الربوي ليست سوى خرافة، وإنه حين تصح النية وتعزم البشرية أو تعزم الأمة المسلمة أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد الذي إراده الله للبشرية والذي طبق فعلاً، ونمت الحياة في ظله فعلا، وما تزال قابلة للنمو تحت أشرافه وفي ظلاله لو عقل الناس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:45 pm

حكمة تحريم الإسلام للربــا
قال تَعَالَى:
( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [1].
و عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ) [2]
تعريفه : الربا في اللغة : الزيادة، والمقصود به هنا : الزيادة على رأس المال .
حكمه :و هو محرم في جمع الأديان السماوية، ومحظور في اليهودية والمسيحية والإسلام جاء في العهد القديم : ( إذا أقرضت مالاً لأحد من أبناء شعبي، فلا تقف منه موقف الدائن . لا تطلب منه ربحاً لمالك ) [3].
و في كتاب العهد الجديد : ( إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة، فأي فضل يعرف لكم ؟ ولكن افعلوا الخيرات، وأقرضوا غير منتظرين عائدتها . وإذن يكون ثوابكم جزيلاً ) [4]واتفقت كلمة رجال الكنيسة على تحريم الربا تحريماً قاطعاً .
مضار الربا على الاقتصاد والمجتمع والفرد
الآثار النفسية والخلقية
أنزل الله دينه ليقيم العباد على منهج العبودية الحقة، التي تعرج بهم إلى مدارج الكمال، وتسمو بهم إلى المراتب العليا، وبذلك يتخلصون من العبودية، ليقصروا أنفسهم على عبادة رب الخلائق، ويتخلصون بذلك من الفساد الذي يخالط النفوس في تطلعاتها ومنطلقاتها .
إن الإسلام يريد أن يطهر العباد في نفوسهم الخافية المستورة، وفي أعمالهم المنظورة، وتشريعات الإسلام تعمل في هذين المجالين والقرآن الكريم سماهما بالتزكية والتطهير قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [5]
وقد أقسم الرب تبارك وتعالى في سورة الشمس أقساماً سبعة على أن المفلح من زكا نفسه، والخائب من دساها، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [6]
والربا واحد من الأعمال التي تعمق في الإنسان الانحراف عن المنهج السوي، ذلك أن المرابي يستعبده المال، ويعمي ناظريه بريقه، فهو يسعى للحصول عليه بكل السبل، وفي سبيل تحقيق المرابي لهدفه يدوس على القيم، ويتجاوز الحدود، ويعتدي على الحرمات، إن الربا ينبت في النفس الإنسانية الجشع، كما ينبت الحرص والبخل، وهما مرضان ما أصابا نفساً إلا أفسدا صاحبها، ومع الجشع والبخل تجد الجبن والكسل، فالمرابي جبان يكره الإقدام، ولذلك يقول المرابون والذين ينظرون لهم : إن الانتظار هو صنعة المرابي، فهو يعطي ماله لمن يستثمره، ثم يجلس ينتظر إنتاجه لينال حظاً معلوماً بدل انتظاره، وهو كسول متبلد لا يقوم بعمل منتج نافع، بل تراه يريد من الآخرين أن يعملوا، ثم هو يحصل على ثمرة جهودهم، ولعل الآية القرآنية تشير إلى هذا المعنى قال تعالى : (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ( [7])، فالآية تشير إلى أن المرابي يعطي ماله للآخرين كي ينمو من خلالها .
لقد وصف القرآن الكريم آكل الربا بقوله :
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [8].
كما أكد سبحانه أن الله سبحانه يذهب بركة الربا ويصيبه بالهلاك والدمار في قوله تعالى : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [9].
الربا يحدث آثاراً خبيثة في نفس متعاطيه وتصرفاته وأعماله وهيئته، ويرى بعض الأطباء أن الاضطراب الاقتصادي الذي يولد الجشع، يسبب كثيراً من الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية أو الجلطة الدموية، أو النزيف في المخ، أو الموت المفاجئ.
و لقد قرر عميد الطب الباطني في مصر الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه ( الإسلام والطب الحديث ) أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب [10]
تخبط المرابي :
وقد وصف القرآن الحال الذي يكون عليها المرابي بحال الذي أصابه الشيطان بمس قال تعالى :
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:275).
والتخبط في اللغة ـ كما يقول النووي ـ رحمه الله تعالى ـ الضرب على غير استواء، يقال : خبط البعير إذا ضرب بأخفافه، ويقال للرجل الذي يتصرف تصرفاً رديئاً ولا يهتدي فيه هو يخبط خبط عشواء، وهي الناقة الضعيفة البصر ( [11]) .
و لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد بمس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو التخبط الحاصل بفعل الشيطان " [12].
و لكني أرى أن هذا التخبط الذي يصيب آكل الربا ليس مقصوراً على هذا الجانب الذي ذكره الرازي، بل هو أوسع مما أشار إليه، وهو ملازمة لحالته النفسية واضطرابه في تصرفاته وأعماله .
انعكاسات الربا على المجتمعات الإنسانية :
لا يمكن أن تقوم المجتمعات الإنسانية ما لم يترابط الناس فيما بينهم بروابط الود والمحبة القائمة على التعاون والتراحم والتكافل، ومنبع الود والمحبة والتكافل والتعاون والتراحم والأخوة بين أبناء الأمة الواحدة .
و الأفراد في المجتمعات، أو القطاع من الأمة الذين لا تؤرقهم آلام إخوانهم وأوجاعهم ومصائبهم كالعضو المشلول، الذي انعدم فيه الإحساس، وانقطعت روابطه بباقي الجسد، ومثله كمثل الحمار الذي يدور حول الرحى، ذلك أن اهتماماته وتطلعاته وغاياته تدور حول أمر واحد هو مصالحه الذاتية، فلا تراه لدموع الثكالى، ولا لأنات الحزانى، ولا لأوجاع اليتامى، يرى البؤساء والفقراء فلا يعرف من حالهم إلا أنهم صيد يجب أن تمتص البقية الباقية من دمائهم .
ألم يصل الحال بالمرابين قسات القلوب إلى أن يستعبدوا في بعض أدوار التاريخ أولئك المعسرين الذين لم يستطيعوا أن يفوا بديونهم وما ترتب عليها من ربا خبيث .
ألم يخرج أبو لهب العاص بن هشام إلى بدر، لأن العاص مدين لأبي لهب، ففرض عليه الخروج إلى المعركة بدلاً عنه .
كيف ينعم مجتمع إذا انبث في جنباته أكلة الربا الذين يقيمون المصائد والحبائل لاستلاب المال بطريق الربا وغيره من الطرق !! وكيف يتآلف مجتمع يسود فيه النظام الربوي الذي يسحق القوي فيه الضعيف ..
كيف نتوقع أن يحب الذي نهبت أموالهم، وسلبت خيراتهم ـ ناهبيهم وسالبيهم !! إن الذي يسود في مثل هذه المجتمعات هو الكراهية والحقد والبغضاء، فترى القلوب قد امتلأت بالضغينة ،و الألسنة ارتفعت بالدعاء على هؤلاء الأشقياء الذين سلبوهم أموالهم، وكثيراً ما يتعدى الأمر ذلك عندما يقومون بثورات تعصف بالمرابين وأموالهم وديارهم، وتجرف في طريقها الأخضر واليابس .
يقول المراغي رحمه الله تعالى : " الربا يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات، إذ هو ينزع عاطفة التراحم من القلوب، ويضيع المروءة، ويذهب المعروف بين الناس، ويحل القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه ليسد رمقه، ومن جراء هذا منيت البلاد ذات الحضارة التي تعاملت بالربا بمشاكل اجتماعية، فكثيراً ما تألب العمال وغيرهم على أصحاب الأموال، واضربوا عن العمل بين الفينة والفنية، والمرة بعد المرة . ومنذ فشا الربا في الديار المصرية ضعفت فيها عاطفة التعاون والتراحم، وأصبح المرء لا يثق بأقرب الناس إليه، ولا يقرض إلا بمستند وشهود، بعد أن كان المقرض يستوثق من المقترض ـ ولو أجنبياً ـ بألا يحدث أحداً بأنه اقترض منه، وما كان المقرض في حاجة في وصول حقه إليه إلى مطالبة، بلا محاكم ومقاضاة " [13].
و لقد بلغت خسة الطبع وفساد الخلق بالمرابين اليهود إلى أن يتآمروا على المجتمعات التي فتحت أبوابها لهم، بل على العالم بأسره، ويوقدون نيران الحروب، ويسعون في الفساد، وقد نبأنا القرآن خبرهم، وكشف لنا جرمهم عندما قال :
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [14]
و قد نبه كثير من الكتاب المحققين إلى أن أباطرة المال اليهود هم الذين كانوا وراء إشعال نيران الحروب في القرن الماضي، كما أنهم هم الذين أوقدوا نيران الحربين العظميين في القرن . لقد سالت الدماء أنهاراً، أهدرت ملايين من الدنانير، كل ذلك ليربو المال اليهود، وتعظم سيطرة اليهود في العالم .
الخلل الذي يصيب المجتمع بسبب اختلال توزيع الثروة فيه :
إذا أصبح المال دولة بين الأغنياء، شقي أغنياؤ ذلك المجتمع وفقراؤه، والربا يركز المال في أيدي فئة قليلة من أفراد المجتمع الواحد ،و يحرم منه المجموع الكثير، وهذا خلل في توزيع المال، يقول الدكتور ( شاخت ) الألماني، مدير بنك الرايخ الألماني سابقاً في محاضرة ألقاها في في عام 1953 : " إنه بعملية رياضية ( غير متناهية ) يتضح أن جميع المال صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين، ذلك أن الدائن المرابي يربح دائمـاً في كل عمليـة، بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهايـة لا بد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائماً ( [15])
و هو الذي يجعل اليهود يصرون على التعامل بالربا، ونشره بين العباد، كما يحرصون على تعليم أبنائهم هذه المهنة، كي يسيطروا على المال ويحوزوه إلى خزائنهم .
و هذا الخلل الذي يحدثه الربا في المجتمعات الإنسانية ـ وهو خلل توزيع الثروة ـ داء يعجز علاجه الأطباء، وقد اعترف رجال الاقتصاد الكبار في العالم الغربي، ومن هؤلاء ( شارل رست )، ورست هذا ـ كما يقول العالم الاقتصادي المسلم عيسى عبده ـ رحمه الله ـ حجة في تاريخ المذاهب الاقتصادية وصاحب مدرسة ليس لها نظير في العالم الغربي، وقد اعترف ( رست ) بعجزه التام عن حل مشكلات العالم الذي يعيش فيه، بعد أن بلغ قمة نضجه، يقول (رست ) : " إنني وقد قاربت سن التقاعد، أريد أن أوصي الجيل الأصغر مني سناً في هذا القضية : لقد أصبحنا الآن بعد هذه الجهود الطويلة في بلبلة مستمرة، فكلنا يشقى بسبب توزيع الثروة، وتوزيع الدخل، سواء منها ما كان جزئياً، مثل قضية الفائدة والربا، أم ما كان مثل تفاوت الطبقات، تعبنا في هذا ولم نصل إلى شيء " [16].
بالله عليك ألم يصرح (رست ) بالنتيجة الحتمية التي يصير إليها كل معرض عن هدي السماء : لقد أصبحنا في بلبلة مستمرة ..، كلنا يشقى بسبب توزيع الثروة .. تعبنا ولم نصل إلى شيء ..، إنه الشقاء، شقاء الحياة الدنيا، وشقاء الآخرة أشد وأبقى قال تعالى : ( ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معشية ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) [17].
تدمير الربا للمجتمعات :
الربا بما يحدثه في النفوس من أمراض، وبما بوجده في الاقتصاد من بلايا، وبما يصنعه من خلل ـ يصيب المجتمعات الإنسانية بالدمار .
و صاحب الموسوعة الاقتصادية يقرر أن :" الربا لعب دوراً هاماً في انهيار المجتمعات البدائية وظهور الاقتصاديات القائمة على الرق ن فنظراً لأن القرض كان مضموناً بشخص المقترض نفسه إلى جانب ضمانات أخرى كانت النتيجة نزع ملكية صغار المزارعين، وتحويل عدد منهم إلى رقيق، مما أدى في النهاية إلى تركيز الملكية العقارية في أيدي قلائل " [18].
هذا ما فعله الربا في الماضي، وقد استطاع الكتاب الذي عرفوا باطن الأمور أن يدركوا آثاره في تلك المجتمعات، ولكن كثيراً من هؤلاء يظنون أن الفائدة الربوية اليوم لا تحدث في المجتمعات الإنسانية ما أحدثته في المجتمعات البدائية .
لقد حول المرابون في القديم البشر إلى عبيد يعملون في المزارع التي سرقوها من أولئك العبيد، ولا يزال المرابون إلى اليوم يسعون إلى السيطرة على ثمار جهود البشر، وسرقة عرقهم وأموالهم .
إن عصور الربا الفاحش لم تنته بعد، فذلك وهم، إن لائحة مقرضي المال الصادرة في بريطانيا في سنة 1927 تسمح للمرابين بفرض فائدة تبلغ 48 في المئة [19]هذه هي النسبة المقررة أما المتعامل بها فكانت أعلى من ذلك بكثير، وينقل لنا أنور قرشي بعض الأمور المذهلة التي كانت تجري في بريطانيا العظمى في الربع الأول من هذا القرن ن من تقرير أعدته لجنة مشتركة من مجلس اللوردات ومجلس العموم عن صكوك مقرضي المال في سنة 1925، وعن طريق تقصي أضرار إقراض المال في ( ليفربول ) في سنة 1924 .
لقد توصل أصحاب التقرير إلى أن بعض القروض كانت تصل نسبة الفائدة فيها إلى 250 في المائة و260 و400 و433 في المائة، بل بلغت النسبة في بعض الأحيان، كما يقول التقرير إلى 866 و1300 في المائة في السنة .
لم يكن ما تحدث عنه تقرير مجلس اللوردات ومجلس العموم في أعظم دولة آنذاك حالات فردية لقد قال ممثل اتحاد مقرضي المال للجنة المشتركة : " إن إقراض المال مهنة ضخمة، وإني أقدم إليكم الأرقام، هل يدهش سعادتكم أن تعرفوا أن هناك ما يزيد على 300 من مقرضي المال المسجلين في هذه البلاد "، وتحدث التقرير عن وجود 1380 من هؤلاء المرابين في ( ليفربول وبركنهيد )، وبمقارنة عددهم بعدد السكان وجد أن كل 730 لهم مقرض مرابي [20]
و قد كانت الحال في أمريكيا في الربع الأول من هذا القرن ت كما يقول إقبال القرشي ـ لا تقل سواء عن حال بريطانيا، وقد نقل وقائع وتقارير تدل على أن المرابين كانوا ينالون نسباً عالية تبلغ 20 في المائة، و40 في المائة و100 في المائة، وأكثر من هذا [21].
أما في بلد متأخر كالهند مثلاً فيكفي أن نعلم أن فلاحي مقاطعة البنجاب كانوا يدفعون فوائد تعادل ضعف ريع الأرض كلها، كما جاء في كتاب ( سير مالكو لم لوبال، درالنج ) الموسوم بـ ( الكلاسيكي ) [22].
قد يقال إن الحال اليوم قد تغير، والفائدة أصبحت محددة، وهي لا ترهق الأفراد ولا المؤسسات ولا الحكومات، أقول هذا قصور في النظر وخطل في القول، فإن فوائد البنوك الربوية وبيوتات المال في أوائل هذا القرن لم تكن تتعدى الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة في المائة على أكثر تقدير، أما اليوم فإن الفائدة التي كانت تعلنها البنوك الربوية قد بلغت 18، أو 20 في المائة وهي اليوم 10 في المائة، و11 في المائة، و12 في المائة، وقد بلغ الربا في بعض التعاملات في (800) في المائة فيما عرف بأزمة المناخ، ويذكر المطلعون على تفاصيل الأزمة أن حجم الأموال التي سببت الأزمة بلغ ( 27) ملياراً منها ( 9) مليارات تراكمت بسبب الربا، والذين لا يأكلون الربت كانوا أبعد الناس عن التأثر بهذه الأزمة . ومما يدل على أن هذا البلاء لا يزال آخذاً بأنفاس الناس، ولا يزال رابضاً على قلوبهم، أن ما يسمى بدول العالم الثالث، اليوم مثقلة بديون لا تستطيع صادراتها كلها أن تفي بسداد خدمة الدين الربوية .
الآثار الاقتصادية للربا :
الربا آفة من الآفات إذا أصابت الاقتصاد فإنها تنتشر فيه انتشار السرطان في جسم الإنسان، وكما عجز الأطباء عن علاج السرطان فإن المفكرين ورجال السياسة والاقتصاد عجزوا عن علاج بلايا الربا، ومن العجيب أن بعض الناس ظنوا أن الربا يحدث خيراً للناس، ومثلهم في ذلك مثل الذين يظنون أن التورم في بعض الأجسام الناشئ عن المرض صحة وعافية، فليس كل تضخم في الجسد صلاحاً، إن السرطان إنما هو تكاثر غير طبيعي لخلايا الجسد، وهذا التكاثر ليس في مصلحة الإنسان، بل هو مدمر لحياته، وفاتك به .
و كذلك ما يولد الربا ليس صلاحاً للاقتصاد بل هو مدمر للاقتصار، والمشكلة أن بلايا الربا لا تظهر مرة واحدة في كان المجتمع وكيان الاقتصاد، يقول الرازي : " إن الربا وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة " [23]وهذا مستفاد من النص القرآني : ( يمحق الله الربا ) [24] فالمحق نقصان الشيء حالاً بعد حال، ومنه محاق نقصان الشيء حالاً بعد حال، ومنه محاق القمر يعني انتقاصه ليلة بعد أخرى، فالذين يتعاملون بالربا يظنون أن فيه كسباً، والحقيقة التي أحبر بها العليم الخبير، والتي كشف عنها واقع البشر الذي دمره سرطان الربا أن الربا ممحقة للكسب مدمر للاقتصاد، ذلك أنه يصيبه بعلل خبيثة يعي الطبيب النطاسي دواؤها، الربا ليس بركة ورخاء بل هو مرض عضال يذهب المال ويقلله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الربا وإن كثر فإن فإنّعاقبته تصير إلى قل " أي قلة، رواه ابن ماجه وأحمد والبيهقي في شعب الإيمان .
و علماؤنا الذين أبصروا الحقائق من خلال النصوص القرآنية والحديثية أدركوا هذه الحقيقة، وقد نقلنا قول الرازي الذي يقول فيه : " إن الربا وإن كان زيادة في الحال إلا إنه نقصان في الحقيقة، وإن الصدقة وإن كانت نقصاناً الصورة فهي زيادة في الحقيقة " ويقول المراغي : " إن عاقبة الربا الخراب والدمار، فكثيراً ما رأينا ناساً ذهبت أموالهم، وخربت بيوتهم بأكلهم الربا " [25].
و يقول القاسمي : " المال الحاصل من الربا لا بركة له، لأنه حاصل من مخالفة الحق، فتكون عاقبته وخيمة " [26]
و الآفات الاقتصادية التي يجلبها الربا كثيرة، وسنتناول في هذه الدراسة ما بدا لنا منها :
1 . تعطيل الطاقة البشرية :
الربا يعطل الطاقات البشرية المنتجة، ويرغب في الكسل وإهمال العمل، والحياة الانسانية غنما ترقى وتتقدم إذا بذل الجيمع طاقاتهم الفكرية والبدنية في التنمية والإعمار، والمرابي الذي يجد المجال رحباً لإنماء ماله بالربا يسهل عليه الكسب الذي يؤمن له العيش، فيألف الكسل، ويمقت العمل، ولا يشتغل بشي من الحرف والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والعمارات " [27]
ثم إن تعطيل الربا للطاقات المنتجة لا يتوقف على تعطيل طاقة المرابي، بل إن كثيراً من طاقات العمل ورجال الأعمال قد تقل أو تتوقف، ذلك أن الربا يوقع العمال في مشكلات اقتصادية صعبة، فالذين تصيبهم المصائب في البلاد الرأسمالية لا يجدون إلا المرابي الذي يقرضهم المال بفوائد عالية تعتصر ثمرة أتعابهم، فإذا أحاطت هذه المشكلات بالعمال أثرت في إنتاجهم .
هذا جانب وجانب آخر أن الربا يسبب الركود الاقتصادي والبطالة وهذا يعطل الطاقات العاملة في المجتمعات الإنسانية .
2. تعطيل المال :
و كما يعطل الربا جزءاً من الطاقات البشرية الفاعلة، كذلك يعطل الأموال عن الدوران والعمل ،والمال للمجتمع يعد بمثابة الدم الذي يجري في عروق الإنسان، وبمثابة الماء الذي يسيل إلى البساتين والحقول، وتوقف المال عن الدوران يصيب المجتمعات بأضرار فادحة، مثله كمثل انسداد الشرايين، أو الحواجز التي تقف في مجرى الماء .
و قد رهب الله تبارك وتعالى الذي يكنزون المال، وتهددهم بالعذاب الأليم الموجع ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) [28]
و قد شرع الله من الأحكام ما يكفل استمرار تدفق المال إلى كل أفراد المجتمع، بحيث لا يصبح المال دولة بين الأغنياء دون غيرهم، ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) [29]
و المرابي بجبنه وتطلعاته إلى الكسب الوفير لا يدفع ماله إلى المشروعات النافعة والأعمال الاقتصادية إلا بمقدار يضمن عودة المال وافراً كثيراً، وهو يحبسه إذا ما أحس بالخطر، أو طمع في نيل نسبة أعلى من الفائدة في المستقبل، عندما يقل المال في أيدي الناس يقع الناس في بلاء كبير .
ثم إن مقترضي المال بالربا لا يسهمون في الأعمال المختلفة إلا إذا ضمنوا نسبة من الربح أعلى من الربا المفروض على الدين
3. التضخم :
" التضخم يقصد به وجود اتجاه صعودي في الأثمان بسبب وجود طلب زائد أو فائض بالنسبة إلى إمكانية التوسع في العروض " [30].
و التضخم له أسباب طبيعية وأسباب غير طبيعية، ومن الأسباب غير الطبيعية الربا، فالمرابي بما يفرضه من فائدة مرتفعة يجبر أصحاب السلع والخدمات على رفع أثمان هذه السلع والخدمات، ولا شك أن التضخم يسيء إلى الناس كثيراً خاصة أصحاب الدخول النقدية الثابتة كالموظفين والعمال، ومن ثم تنخفض دخولهم الحقيقية، وإذا اضطرت الحكومات إلى مواجهة الأمر برفع دخول الموظفين والعمال فالملاحظ أن تقرير الزيادة لا يتم بسرعة وفي الوقت المناسب، ولذلك يجب أن يعمل المفكرون ورجال السياسة والاقتصاد على محاربة التضخم، خاصة ذلك النوع الذي يسميه الاقتصاديون بالتضخم الجموح والذي ترتفع فيه الأثمان ارتفاعاً غير طبيعي، ومن أعظم الأسباب التي تؤدي إليه الربا، فمنعه إنما هو علاج لمرض خطير .
4ـ الكساد والبطالة :
إذا ارتفعت أثمان الأشياء ارتفاعاً عالياً فإن الناس يكفون عن الإقبال على السلع والخدمات المرتفعة الأثمان، إما لعدم قدرتهم على دفع أثمانها، أو لأنها ترهق ميزانيتهم، وإذا امتنع الناس عن الشراء كسدت البضائع في المخازن والمتاجر، وعند ذلك تقلل المصانع من الإنتاج، وقد تتوقف عنه، ولابد في هذه الحالة من أن تستغني المصانع والشركات عن جزء من عمالها وموظفيها في حالة تخفيض إنتاجها، أو تستغني عن جميع عمالها وموظفيها إذا توقفت عن الإنتاج، وعندما يحس المرابون بما يصيب السوق من زعزعة يزيدون الطين بلة، فيقبضون أيديهم، ويسحبون أموالهم فعند ذلك تكون الهزات الاقتصادية .
الأمر عجيب، لأن الأموال في المجتمع كثيرة، ولكنها في خزائن المرابين، والناس بحاجة إلى السلع، ولكنهم لا يشترونها لعدم وجود المال بين أيدهم، والعمال يحتاجون إلى عمل، ولكن المصانع والشركات تمتنع من تشغيلهم لحاجتها إلى المال من جانب وإلى تصريف بضاعتها من جانب، إن الربا يحدث خللاً في دورة التجارة، والإسلام في سبيل إصلاح هذا الخلل حرم الربا، وشرع تشريعات كثيرة تمنع تركز المال في أيدي طائفة من أفراد المجتمع .
و اليوم تعاني أمريكا زعيمة العالم الرأسمالي من أزمة بطالة مخيفة .
إن تكبيل الأمم بهذه القيود الرهيبة يجعلها تعمل يجعلها تعمل وتعمل وتعمل ولا تستفيد من عملها شيئاً، كل عملها يذهب إلى خزن المرابين، وعند ذلك لا يستطيع الأفراد الحصول على حاجياتهم، ومع ذلك فإن الدولة تفرض المزيد من الضرائب، وترفع الأسعار لمواجهة العجز في مدفوعاتها، فتقوم الثورات وتحصل الاضطرابات وتزهق الأرواح، وما يحدث في كثير من دول العالم ليس يسر
و قد يصل الأمر إلى درجة تعجز الدولة عن السداد وعند ذلك تلغي الدولة ديونها كما حدث في كوبا في سنة 1961، وكوريا الشمالية في سنة 1974، ويقول ( ستيروارت جرينبوم) أستاذ البنوك والتمويل بجامعة ( نورث وسترن ) : " تصور نفسك أحد الحكام الديكتاتوريين في أمريكا اللاتينية، وقد غرقت في الديون، فإذا ما وافقت على شروط صندوق النقد الدولي، وخفضت مثلاً من حجم الواردات، فسوف تواجه بمظاهرات الاحتجاج ،و حركات التمرد في الشوارع، وإذا ما عجزت عن سداد الديون، وتوقفت عن الدفع فسوف تنبذ من المجتمع الدولي ومن أسواق الإقراض العالمية، وعندما توقن أن الحل الأول سيعلقك مشنوقاً على فرع شجرة ـ قطعاً ـ ستسلك الطريق الثاني : وهو التوقف عن السداد " [31].
5 ـ توجيه الاقتصاد وجهة منحرفة :
ومن بلايا الربا أنه يوجه الاقتصاد وجهة منحرفة، فالمرابي يدفع لمن يعطيه ربحاً أكثر، وآخذ القرض الربوي لا يوظف المال الذي اقترضه إلا في مجالات تعود عليه بربح أكثر مما فرضه عليه المرابي، إذن القضية تكالب على تحصيل المال، وفي سبيل ذلك تتجاوز المشروعات النافعة التي تعود بالخير على المجتمع، ويوظف المال في المشروعات الأكثر إدراراً للربح .
6ـ تشجيعه على المغامرة والإسراف :
الحصول على المال بالربا سهل ميسور، ما دام المرابي يضمن عودة المال إليه، ولذا فإن الذين ليس لهم تجربة، وليس عندهم خبرة ـ يغريهم الطمع، فيأخذون القروض بالربا، ثم يدخلون في أعمال ومشروعات قد يكون محكوماً عليها بالفشل، أو يدخلون في أعمال هي أقرب إلى المقامرة منها إلى الأعمال الصالحة، ومتى كثر هذا النوع من الأعمال فإنه يضر باقتصاد الأمة، والمرابي لا يمتنع من إمداد هؤلاء بالمال، لأنه لا يشغل باله الطريقة التي يوظف المال بها، وكل ما يشغله عودة المال برباه، وقد أوجب علينا الإسلام منه السفيه من التصرف في ماله حفاظاً على ثروة الأمة من الضياع ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ) [32]
ولا حظ قوله : ( أموالكم ) فقد جعل مال السفيه مالاً للأمة بها قوام أمرهم، فالربا يسهل وضع الكثير من مال الأمة بين أيدي المغامرين والجهلاء الذي قد يبددون هذه الأموال، ويزداد الأمر سوءاً عندما يستولي المرابي على بيوتهم ومزارعهم والبقية الباقية من مصانعهم ومتاجرهم .
و سهولة الإقراض بالربا تشجع على الإسراف وإنفاق المال فيما لا يفيد ولا يغني، وقد ذكرت مجلة التايم الأمريكية في الدراسة التي قدمتها عن ديون العالم الثالث في مطلع هذا العالم أن دولة ( ليبريا) انغمست في الدين الربوي من أجل استضافة اجتماعات منظمة الوحدة الإفريقية .
كما ذكرت أن جمهورية ( إفريقيا الوسطى ) قامت بإنفاق خمسن مليون دولار أمريكي " نصف الميزانية السنوية لتلك الدولة تقريباً وذلك في عام 1977" على حفل تتويج الإمبراطور بوكاسا .
يقول المراغي يسهل على المقترضين أخذ المال من غير بدل حاضر ويكرن لهم الشيطان إنفاقه في وجوه الكماليات التي كان يمكن الاستغناء عنها، ويغريهم المزيد من استدانة، ولا يزال يزداد ثقل الدين على كواهلهم حتى يستغرقون أموالهم، فإذا حل الأجل لم يستطيعوا الوفاء وطلبوا تأجيل الدين، ولا يزالون يماطلون ويؤجلون، والدين يزداد يوماً بعد يوم، حتى يستولي الدائنون قسراً على كل ما يملكون فصبحوا فقراء معدمين، وصدق الله ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) سورة البقرة : [33].
7 ـ وضع مال المسلمين بين أيدي خصوم الإسلام :
من أخطر ما أصيب به المسلمون أنهم أودعوا الفائض من أموالهم في البنوك الربوية في دل الكفر، وهذا الإيداع يجرد المسلمين من أدوات النشاط الإقتصادي ومن القوة القاهرة في المبادلات، ثم يضعها في أيدي أباطرة المال اليهودي الذين أحكموا سيطرتهم على أسواق المال، وهذه الفوائد الخبيثة التي يدفعها لنا المرابون هي ثمن التحكم في السيولة الدولية .
المصدر :
الربا ودوره في استغلال موارد الشعوب تأليف عيسى عبدو
[1] [سورة البقرة : 275] [2] [رواه مسلم : 2995][3] . [آية 25، فصل ا22، سفر الخروج][4] .[ آية 34 وآية 35 من الفصل 6 من إنجيل لوقا ]. [5] (التوبة:103)[6] (الشمس:9)[7] (الروم:39)[8] (البقرة:275)[9] (البقرة:276) [10] [2] بحوث في الربا لأبي زهرة : ص 24 ـ طبع دار البحوث ـ ـ الأولى 1390هـ = 1980 . [11] [3] المجموع للنووي : 9/391. [12] [5] تفسير الرازي : 2/360[13] تفسير المراغي : 3/57 ، طبعة مصطفى البابي الحلبي ـ مصر . [14] (المائدة:64) [15] في ظلال القرآن : 3/341 طبعة دار الشروق . [16] الربا في الإسلام لعيسى عبد ص10، نشر الدار ية للطبع ـ . [17] سورة طه : 124ـ 126. [18] الموسوعة الاقتصادية لراشد الراوي : ص 263 ، طبعة دار النهضة العربية ـ الأولى 1971. [19] المائة الإسلام و الربا لأنور إقبال القرشي : ص 206 ، ترجمة فاروق حلمي ، نشر مكتبة مصر ـ القاهرة[20] المصدر السابق : ص206.. [21] المصدر السابق : ص206.. [22] المصدر السابق : ص206.. [23] تفسير الرازي : 2/363[24] سورة البقرة : 276،[25] [26] محاسن التأويل : 3/710 [27] تفسير الرازي : 2/358.. [28] سورة التوبة : 34 ـ 35[29] سورة الحشر : 7.[30] الموسوعة الاقتصادية : ص162
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
Admin
Admin
Admin


عدد المساهمات: 309
تاريخ التسجيل: 03/05/2010

مُساهمةموضوع: رد: الربا   السبت مايو 15, 2010 12:54 pm

كيف يستثمر المسلم ماله بعيداً عن شبهات الربا..؟
إن الله تعالى جعل المال عصب هذه الحياة، وأداة التفاعل بين الناس، وجعل الأولاد ثمرة القلب وقرة العين. وجعلهما معاً زينة الحياة الدنيا فقال سبحانه وتعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا} [الكهف: 46].
وأثبت الواقع أن الناس حين يضعف إيمانهم يفتنون بأموالهم وأولادهم عن طاعة الله تعالى، لذلك حذر الله تعالى المؤمن من ذلك واعتبر ذلك خيانة لله ولرسوله، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].
لذلك كان لزاماً على كل مسلم أن يتقي فتنة المال ويبتعد عن الحرام بكل صوره، فدورة المال في حياة المسلم أشبه بالنهر في منبعه ومجراه ومصبه، فالمال منبعه الاكتساب ومصبه الإنفاق ومجراه ما بين ذلك وهي فترة تملك الإنسان له، والعبد يحاسب على كل مرحلة من هذه المراحل، ومن أعظم فتن المال اكتسابه من حرام، وطرق الحرام كثيرة ومتعددة ومنها "الاختلاس والسرقة والغلول والرشوة وأكل الحرام وأكل مال اليتيم والغش"، ومن أبرزها استثماره أو اقتراضه الربا.
وبهذا صار المال من أعظم الفتن، لأنه إذا بدأت الفتنة من منبعه فإنه لا يُرجى منه خير بعد ذلك، ومن أراد أن يتقي فتنة المال من منبعه يجب أن يكسبه من حلال، وطرق الحلال كثيرة ومتعددة، كما يجب على المسلم التقي أن يكون حريصاً على الالتزام بشرع الله في معاملاته المالية لأن كل شيء سيحاسب عليه مرة واحدة إلا المال سيُحاسب عليه مرتين، مرة عند اكتسابه ومرة عند إنفاقه، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا فعل به" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر).
أين نستثمر أموالنا؟
لقد أثارت فتنة إيداع الأموال في البنوك التقليدية الكثير من الجدل بين الفقهاء، وترتب على ذلك أن بعض الذين كانوا يستثمرون أموالهم في هذه البنوك بدءوا فعلاً في سحبها منها تجنباً للشبهات ملتزمين بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إن الحلال بين وإن الحرم بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، ووصيته صلَّى الله عليه وسلَّم التي يوصينا فيها: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك".
ويتساءل المسلمون: أين نستثمر أموالنا؟ ويوجد منا الموظف والأرملة والمحال إلى المعاش، وغير ذلك من الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض وهم الآن يودعون أموالهم في البنوك التقليدية بفائدة للحصول على إيراد يعينهم على الحاجات الأصلية للحياة مثل المأكل والمشرب والعلاج والتعليم والمسكن... ونحو ذلك.
كما ظهر سؤال آخر: هل معاملات المصارف الإسلامية حلال؟ وخصوصاً في ظل ما يُثار حولها من شبهات، ومنها: أنها تتعامل مع البنوك التقليدية، وأنها تودع بعضاً من أموالها لدى البنك المركزي، وأنها توزع عائداً قريباً من الفائدة التي توزعها البنوك التقليدية، وأن بعض الموظفين فيها يدعون بأنه لا توجد فروق جوهرية بينها وبين البنوك التقليدية، وأنه لا فرق بين التمويل بالمرابحة لشراء سلعة وبين الاقتراض بفائدة من البنوك التقليدية.
كل هذه التساؤلات وغيرها تحتاج إلى إجابة لمن يريد الاستثمار والتمويل وهذا هو القصد من هذه الدراسة.
حيرة ولبس
لقد انقسم المسلمون إزاء التساؤلات السابقة إلى فرق على النحو التالي:
1 – فئة لا تعطي أي اعتبار للحلال والحرام ويهمها العائد الكبير على رأس المال، وتفصل بين الدين والحياة، وبين العبادات والمعاملات، وتقول: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وتتعامل مع أي بنك سواء كان وطنياً أو أجنبياً، يهودياً أو إسلامياً، المهم عندها أن تحصل على أقصى ربحية أو عائد بأي وسيلة حتى ولو بطرق غير مشروعة، وهؤلاء لا يهمهم النواحي الشرعية لاستثمار المال.
2 – فئة تتبع الفتوى التي تتفق مع هوى النفس وتقول: "ضعها في رقبة عالم واخرج سالم"، ولا تريد أن تبذل أي جهد للبحث عن الأدلة والحقيقة، أن تجنب الشبهات، وتميل إلى الأخذ بالرخص.
3 – فئة ورعة تتجنب الشبهات وتضع حاجزاً من الحلال بين الحرام والمشتبه فيه، وهي الفئة التي دخل الخوف من الله إلى قلبها وتريد أن تتحرى الحلال وتستشعر قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279]، وقوله عز وجل: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" (رواه مسلم)، وهذه الفئة هي التي يهمها تماماً أن تعرف الحق فتتبعه وتعرف الباطل فتتجنبه، وتدعو الله سبحانه وتعالى دائماً بالدعاء المأثور: "اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك".
لقد أصاب هذه الفئة الخوف والوجل والحيرة والشك، وتسأل كيف تستثمر المال بعيداً عن الشك والريبة؟ كما ترفض الفتوى التي لا سند لها من القرآن أو السنة أو من أقوال الفقهاء من الخلف أو السلف، وهذه الفئة هي التي تعنينا في هذه الدراسة ونحاول أن نوضح لها الأحكام والمبادئ والضوابط الشرعية لاستثمار المال وتمويل المشروعات على النحو التالي.
الضوابط الشرعية لاستثمار المال
في ظل انتشار وسائل توصيل العلم للناس من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثة ومنها شرائط الكاسيت والفيديو والحاسوب والإنترنت والقنوات الفضائية، يجب على المؤمن التقي الذي يخشى الله أن يبحث عن الأدلة القوية لكل رأي، ويختار الرأي الذي يرتاح إليه قلبه، وفقاً لوصية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "الإثم ما حاك في صدرك وتخاف أن يطلع عليه الناس"، ووصيته صلَّى الله عليه وسلَّم التي يوصي فيها "استفت قلبك" ولا ينبغي ولا يجوز شرعاً أن نقول: "ضعفها في رقبة عالم واخرج سالم".
ولقد اتفق الفقهاء من السلف والخلف على مجموعة من الضوابط المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية لاستثمار الأموال بعيداً عن الربا، ومن أهمها:
- استثمار المال في مجالات الحلال الطيب: المشروعية والطيبات.
- فقه الأولويات: الضرورات فالحاجيات.
- المشاركة في الربح والخسارة وهو ما يسمى في الفقه "الغنم بالغرم".
- المحافظة على المال لأنه قوام الحياة ولا يجب تعريضه للهلاك.
- تنمية المال حتى لا تأكله الزكاة "الصدقة" بالاستثمار وحبسه عن التداول.
- لا كسب بلا جهد ولا جهد بلا كسب، وذلك عند تفاعل ومشاركة المال مع العمل.
- ربط العوائد بالمخاطر وكلما زادت المخاطر زادت العوائد ولا ربح حلال بدون مخاطر.
- ضوابط أخرى كثيرة يضيق المقام لبيانها ولكن نكتفي بما نحتاجه الآن في هذه الدراسة.
لذلك يجب على من يخشى الله ويتقه أن يلتزم بهذه الضوابط قبل أن يقدم على استثمار أمواله، كما يجب عليه تجنب هوى النفس التي أحياناً يزين لها الشيطان الحرام الكثير فتقدم عليه ولا تبالي بأن الحلال القليل فيه البركة من الله.
البواعث والدوافع الذاتية لاستثمار المال بالحلال
من البواعث والدوافع والحوافز التي ترشد وتوجه المسلم المؤمن التقي إلى الاستثمار الحلال الطيب ما يلي:
- الإيمان العميق القوي بأن المال مال الله وأنه مستخلف فيه، ولذلك يجب أن يكون استثمار المال وفقاً لشرع الله المالك الحقيقي لهذا المال.
- الإيمان الصادق الراسخ بأن الله يبارك في الحلال الطيب القليل ويمحق الخبيث ولو كثر.
- الإيمان بالمحاسبة الأخروية مع الله يوم القيامة، وأننا سنسأل لماذا استثمرنا أموالنا بالربا وفي الخبائث؟ مصداقاً لقوله تعالى في آخر آيات الربا: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" (الترمذي).
- الإيمان بأن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى.
كيف تستثمر مالك بالحلال
لقد فتح الله أبواباً شتى من الحلال الطيب ليستثمر من خلال المال، فلا يستوي ولا يتماثل الربح الحلال الطيب مع الربا الحرام.. لقد قالوا ومازالوا يقولون {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}، فرد الله عليهم يقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، ومدلول ذلك: لقد أحل الله الربح الناتج من البيع والشراء، وحرم الربا الناتج من مبادلة مال بمال وزيادة بدون أن توجد سلعة أو خدمة ليتم التعامل عليها بما كان يتعامل العباس عم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قبل الإسلام حيث كان يمول التجار بالربا، ونهاه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك. ومن أمثلة الوسائل الحلال لاستثمار المال على سبيل المثال ما يلي:
أولاً: الاستثمار الذاتي:
أي أن يقوم صاحب المال بتشغيل ماله بنفسه، أو يشتري به محلات تجارية ويؤجرها... أو يشتري سلعاً معمرة للمستقبل، ويجب أن يضع الفرد نصب عينيه دائماً تنمية ماله ولا يتركه عاطلاً، كما يجب أن يوقن تماماً أن مجالات الاستثمار الحلال مفتوحة ميسرة والمحرمة هي الذي ورد نص يحرمها، كما يجب أن يتأكد من الحلال في مجال الاستثمار من تطبيق القاعدة الشرعية وفي الوسيلة إليه مع مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة، وهذه الصيغة من صيغ استثمار المال تصلح لمن عنده خبرة في مجالات الأعمال ولا تصلح لمن لا يستطيعون ضرباً في الأرض مثل الموظفين والأرامل والشيوخ ونحوهم.
ثانياً الاستثمار عن طريق نظام المضاربة الإسلامية "فكرة توظيف الأموال المشروعة":
وهو نوع من أنواع المشاركة بين صاحب رأس المال وصاحب العمل، حيث يتوفر لدى الأول رأس المال وتنقصه الخبرة العملية أو يصعب عليه القيام بممارسة الخبرة العملية أو يصعب عليه القيام بممارسة المعاملات، ويتوفر لدى الثاني الخبرة والمقدرة على ممارسة نشاط المعاملات سواء أكانت تجارية أم زراعية أم صناعية أم خدمية ويتفقان سوياً على توزيع عائد ربح عمليات المعاملات الفعلية كل فترة زمنية بينهما بنسبة يتفقان عليها "أي تطبيق قاعدة الغنم بالغرم".
وهناك شروط مختلفة لعقد المضاربة الإسلامية، ولكن قد تتخذ أشكالاً مختلفة وكل أشكالها مشروعة ما لم تكن في أي منها مخالفة لنص شرعي، ويرجع في ذلك إلى فقه المضاربة في كتب الفقه.
ومن الضوابط الشرعية للمضاربة الإسلامية ما يلي:
- أن تكون في مجال الحلال الطيب.
- أن لا يضمن صاحب العمل رأسمال المضارب.
- أن لا يضمن صاحب العمل ربحاً محدداً مسبقاً لصاحب المال.
- يضمن صاحب العمل لصاحب المال التعدي والإهمال.
- لا يشترك صاحب المال في الإدارة بل له حق الإشراف والمراقبة.
ولكي يمكن تطبيق هذه الوسيلة أو الصيغة يجب أن يتوافر في صاحب العمل الأمانة والصدق والكفاءة الفنية، وهذا يتطلب من صاحب المال أن يختار من يخافون الله ولديهم الخبرة والحنكة والبصيرة.
ثالثاً: استثمار المال بطريق المشاركة (نظم الشركات: تضامن – توصية – محاصة):
يُقصد بالمشاركة هنا أن يشترك اثنان أو أكثر في تجارة أو صناعة أو زراعة أو تقديم الخدمات للغير كل منهم يقدم مالاً وعملاً، على أن يقتسما ما يسوقه الله إليهم من ربح حسب ما يتفقا عليه، وإذا خسرا توزع بينهم الخسارة بنسبة حصة كل منهم في رأس المال.
وتتعدد صور ونظم المشاركة حسب طبيعة الشركاء والعمليات التي سوف يقومون بها، وفي ضوء القاعدة الشرعية: أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة ما لم يصطدم بنص شرعي يوجب التحريم، فكل المشاركات حلال، فمنها المشاركة الثابتة ومنها المشاركة المنتهية بالتمليك، ويعتبر استثمار الأموال طبقاً لنظام المشاركة من أهم الطرق المشروعة لملاءمتها مع طبيعة المشروعات الاقتصادية المعاصرة، وهناك صور مختلفة للمشاركة أجازها فقهاء الإسلام مثل شركات التضامن والتوصية البسيطة والمحاصة وشركات الصنائع، وشركات الوجوه، وأي صورة أخرى مستحدثة تتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
ومن متطلبات هذه الصيغ وجود الشريك الأمين الصادق الكفء ومجال الاستثمار الحلال الطيب، كما يجب أن تكتب العقود وتوثق، ويوضح فيها شروط الإدارة وتوزيع الأرباح والخسائر والتصفية، والتخارج أو نحو ذلك، وهذه الشركات هي قوام النشاط الاقتصادي والتنمية الشاملة للمجتمع وتعالج مشكلة التضخم، لأن الأموال تكون مستثمرة في أصول عينية.
رابعاً: استثمار المال عن طريق المساهمات في رؤوس أموال الشركات المساهمة:
تعتبر شركات المساهمة وما في حكمها من صيغ الاستثمار التي أجازها الفقهاء المعاصرون لأنها تقوم على أساس قاعدة المشاركة في الربح والخسارة "الغنم بالغرم" بشرط أن تعمل في مجال الحلال الطيب ووفقاً للأولويات الإسلامية.
ورأسمال الشركة المساهمة مقسم إلى حصص يطلق على كل حصة سهم، ويعتبر حامل السهم شريكاً في صافي الموجودات "أصول" الشركة، وفي نهاية كل فترة مالية تحسب النتائج، فإذا كانت ربحاً يوزع على حملة الأسهم بضوابط قانونية ونظامية وإذا تحققت خسارة يتحملها حملة الأسهم بحسب ما يمتلك كل منهم، ويعتبر التعامل في الأسهم العادية حلالاً متى كانت الشركة المصدرة له تتعامل في الحلال.
وتعتبر الشركات بصفة عامة والشركات المساهمة بصفة خاصة من دعائم الأنشطة الاقتصادية بصفة خاصة من دعائم الأنشطة الاقتصادية في أي دولة وبدونها يكون الكساد والتخلف، وتحاول الدول وضع النظم وسن القوانين لتشجيع هذا المجال من الاستثمار.
كما تعتبر الأسهم من أهم الأوراق المالية التي يتم التعامل عليها في سوق الأوراق المالية حيث تسهل من انسياب الأموال لتمويل المشروعات وهذا ما تسعى الدول لتحقيقه.
وهنا يجب على دعاة المصالح المرسلة من الفقهاء أن يشجعوا هذا النوع من الاستثمار ولا يصدوا عنه لأنه أفضل من إيداع الأموال في البنوك بفائدة، ولأن المصلحة الحقيقية للوطن هي تشجيع إنشاء الشركات وحث الناس على شراء الأسهم الحلال بدلاً من تخزينها في البنوك بفائدة وفقاً لنظام المتاجرة في الديون، وهناك فروق جوهرية بين الربح الحلال الناتج من الأسهم وبين الربا الناتج من إيداع المال لدى البنوك التقليدية.
خامساً: استثمار الأموال بنظام المضاربة الإسلامية مع البنوك الإسلامية:
لقد أسست المصارف الإسلامية على أساس تجميع المال بصيغة المضاربة الإسلامية، فالعقد الذي بين المستثمر وبين المصرف الإسلامي هو عقد مضاربة يقوم على أساس قاعدة "الغنم بالغرم" أي المشاركة في الربح والخسارة، ويقوم المصرف الإسلامي بتشغيل تلك الأموال واستثمارها مع الغير بصيغ المشاركة والمرابحة والإجارة والاستصناع والسلم ونحو ذلك، وما يأتي من ربح يوزع بينه وبين أصحاب الأموال وتقوم هيئات الرقابة في المصارف الإسلامية بالاطمئنان إلى أن هذه المعاملات تتم وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وتغطي بذلك شهادة تنشر مع القوائم المالية.
من هنا نجد أن العقود التي بين أصحاب الأموال "المستثمرين – المودعين" وبين المصرف الإسلامي هي عقود مضاربة لا يضمن فيها المصرف ربحاً معيناً ولا يحدده مقدماً بل يعرف بعد استثمار هذه الأموال في تمويل المشروعات ومعرفة الأرباح الفعلية التي تُقسم بينهم وبين المصرف وذلك في نهاية كل فترة مالية.
وبالرغم من الشبهات والأخطاء التي تقع فيها بعض المصارف الإسلامية في بعض الدول العربية والإسلامية والأجنبية إلا أنها في مجملها أفضل من إيداع الأموال في البنوك التقليدية التي هي موضع شك وريبة ولا يطمئن إليها كثير من الناس.
وفي هذا المقام نناشد المسؤولين عن المصارف الإسلامية بأن يتقوا الله في معاملاتهم، كما نطلب من هيئات الرقابة الشرعية بذل المزيد من الجهد في الرقابة الفعالة لتأكيد الثقة وتجنب الشك وسد الذرائع أمام الناس.
استثمار الأموال من خلال المؤسسات التعاونية
تقوم المؤسسات التعاونية المختلفة على نظام المساهمة والمشاركة وفقاً لأسس معينة ولا تختلف هذه المؤسسات عن نظام الاستثمار في الشركات إلا من حيث نظم العمل والإدارة حيث تقوم على أساس قاعدة المشاركة في الربح والخسارة "الغنم بالغرم" وعدم ضمان ربح معين، ومن أمثلة ذلك تعاونيات الإسكان وتعاونيات النقل وتعاونيات التعليم وتعاونيات التأمين.
وهناك صيغ استثمار أخرى للمال يضيق المقام لبيانها مثل المزارعة والمساقاة والسلم والاستصناع والإجارة المنتهية بالتمليك، وما ذكر كان على سبيل المثال لا الحصر.
حقائق وثوابت حول الاستثمار وفقاً للشريعة الإسلامية
يجب على المسلم المؤمن التقي الوجل الذي يبحث عن كيفية استثمار ماله أن يوقن الثوابت الآتية:
- لقد أحل الله الربح الناتج من الأنشطة المختلفة الحلال الطيبة وحرم الربا الناتج من مبادلة مال بمال وزيادة.
- يمحق الله سبحانه وتعالى بركة المعاملات الربوية مصداقاً لقوله عز وجل: {يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا}.
- تجنب المعاملات التي فيها شبهات، "فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، فاتق الله أيها المستثمر، والتزم بوصية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
- عندما يحرم الله باباً من المعاملات المالية يفتح أبواباً شتى من الحلال فهو سبحانه وتعالى الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
- يجب التحري والاطمئنان إلى الأدلة الشرعية التي يرتاح إليها قلب الإنسان.
- لقد خُتمت آيات الربا بالتذكير بالإيمان والتقوى {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}
للدكتور حسين شحاته






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jalo.montadamoslim.com
 

الربا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اهل الله :: اسلامية :: الاقتصاد-